بريد القراء

دموية الحروب.. نقطة سوداء في جبين الزمن

21 أغسطس 2026
21 أغسطس 2026

لم أكره شيئاً يوماً في حياتي مثلما كرهت دموية الحروب التي اشتعلت في جسد العالم قديماً وحديثاً، فالاستنزاف التاريخي سواء للموارد أو للجنس البشري بدأ منذ مئات أو آلاف السنين، قد لا يكون صراعاً ما حدث بين "الخير والشر" ولكن أحياناً بين "شرور متعددة"، هذا الصراع الأزلي لم نعد نتذكر فيه من كان صاحب الحق بقدر ما نتذكر من كان المنتصر.

عندما فتحنا عيوننا على الحياة، لم نرَ سوى ذكريات مكتوبة في سجلات التاريخ الذي يعج بالكثير من وجع الأبرياء الآتية من مآسي الحروب، قد نكون أكثر حظاً من غيرنا ممن عاصروا لحظات الخوف والمرض والموت، لكن الإنسانية هي من تدفعنا لقول بأن في الحرب الكل فيها خاسر.

في كتاب التاريخ عرفنا كيف اشتعلت الحروب عبر الزمن، وعرفنا أيضاً بأنها كانت "عبثية ودموية"، خلفت الحروب الضروس مجازر لا تفيد سوى الأقوياء على حساب الأبرياء، وبقيت الحرب في عيون الناجين منها مظهراً لقسوة الطبيعة البشرية أو أداة صراع لن ينتهي إلا بنهاية العالم أجمع ذات يوم.

يقول عمر المختار: "حينما يقاتل المرء لكي يغتصب وينهب، قد يتوقف عن القتال إذا امتلأت جعبته، أو أنهكت قواه، ولكنه حين يحارب من أجل وطنه يمضي في حربه إلى النهاية".

نظرة المختار كانت عبارة عن رفض للاعتداء على الأوطان، لذا كان أحد المناضلين وقادة التحرر الذين تركوا أثراً عميقاً في مواجهة الاستعمار والظلم، ومن أبرزهم نيلسون مانديلا، ومهاتما غاندي، والمناضل الأممي تشي جيفارا، والأيقونة الجزائرية جميلة بوحيرد وغيرهم.

لقد عانت الكثير من الشعوب والأمم عبر التاريخ من شدة الألم النفسي الذي تسرب لها من تحت وطأة نيران الحروب وبشاعتها، فقد عرف التاريخ عدداً من الإبادات الجماعية والجرائم الوحشية في زمن الحرب ولا تزال الصفحات القاتمة باقية تُذكر.

سنوات مضت على نهاية بعض الحروب التي عرفتها الدول والشعوب، لكن ألم الناس لم يتوقف أو ينتهِ، ففي بعض الدول التي تعرض سكانها إلى الموت لا تزال رائحة البارود عالقة في سمائهم، وفي المناسبة السنوية يقفون صامتين في نصبهم التذكارية أو عند زيارة مقابر الموتى الأبطال الذين دفعوا حياتهم ثمناً لحرية أوطانهم من براثن الحروب.

أعجبني تعبير فلسفي يقول: "طاعة الأوامر العمياء لا تُفني مسؤولية القاتل، ولا تعيد روح البريء".

كل الذين شاركوا في الحروب عبر التاريخ، أغلبهم لم يكن لهم ذنب سوى أنهم سيقوا كقطيع يقاتلون ويُقتلون بدون أن يحققوا شيئاً لأنفسهم، بل ظل أكثرهم نقطة سوداء في نظر الناجين من بين الضحايا لا تزيلها السنوات من جبين الزمن القاتم.

لو أردت أن تحصي عدد القتلى من المدنيين والعسكريين عبر التاريخ، لن تستطيع معرفة عددهم بدقة، لكن ستقتنع بأن الأرقام كانت كبيرة. العدوان على الأبرياء منذ زمن طويل قائم حتى اليوم، فما تشهده غزة واحدة من أكبر جرائم الحروب في العصر الحديث، فلم يعد في غزة مكان يصلح للحياة أو الهروب من آلة الحرب، والمعاناة هي من تقود رقاب الناس إلى نهاياتهم.

قد يكون الوجع كبيراً للغاية، والطريق نحو أمل الخلاص من هذا الكابوس المخيف لا يزال طويلاً، لكن الأرض الطاهرة والصغار الذين استيقظوا البارحة على صوت القنابل وصراخ الثكالى سيكبرون يوماً على أن العدوان الذي يتعرضون له لن يثنيهم عن أصوات تطالب بالعدل والحرية والسلام.