رحيل حارس الذاكرة الثقافية وصانع الفراديس موسى الموسوي

24 أغسطس 2026
24 أغسطس 2026

حينما يرحل كاتبٌ يتوقف قلمٌ وتجربةٌ فردية عن النشر، لكن حين يرحل الناشر المثقف تتوقف عشرات الكتب عن الصدور، وتُلقى تجارب إنسانية ورؤى سردية كاملة في غياهب النسيان، بل وتتوارى الحقيقة خلف حُجب الكتمان.

غمرني هذا الشعور حين نزل علينا نبأ مرض ورحيل الصديق والناشر البحريني المرحوم موسى الموسوي (1969-2026). كنا نمني النفس بأنه عارضٌ صحي يزول، لكنه كان مرضا خبيثا كما يوصف، ولم يمهل جندي الثقافة المجهول وقتا للمقاومة.

جمعتني بالمرحوم أول اللقاءات في إحدى دورات معرض مسقط الدولي للكتاب، وكان برفقة الشخصية البحرينية المحبوبة والأستاذ القدير عبدالنبي العكري (1945). ثم تكرر اللقاء في مدينة صلالة في خريف ظفار 2023م.

وفي العام ذاته زرتُه في المنامة، وتحديدا في مكتبه بدار «فراديس»؛ لأجدها صالونا ثريا يجمع بين جنباته أطياف المشهد الثقافي البحريني. كانت الدار تفتح أبوابها صباحا لجيل القامات الثقافية ممن تجاوزوا الستين، يحمل كلٌّ منهم سِيَرا إنسانية حافلة بالتجارب والنجاحات تستحق التدوين والنشر، بينما تتسع في المساء لطموحات الشباب وأحلامهم المواكبة للمستقبل.

وكما وُصِف المرحوم بأنه الجندي المجهول؛ فقد أطلعني على جانب من إصراره على نشر المذكرات وتعديلها، وإعادتها إلى أصحابها للمراجعة والتدقيق. كان داعما لكل الكُتّاب الساعين إلى النشر؛ إذ حمّل دار النشر التي أسسها أن تكون فراديس للجميع، كما كُتِب عنه في موقع (مرآة البحرين): «انهمك في رحلة بحث عميقة في مصادر قواميس اللغة ليحصل على جمعها؛ حيث تتفق المعاجم الكبرى على أنّ جمعها هو «فراديس».

أمّا تعريفها ففي كتاب العين للفراهيدي: الفردوس هو جنة ذات كرم، وفي لسان العرب لابن منظور هو البستان، والوادي الخصيب، والروضة، وخضرة الأعناب، وفي القاموس المحيط للفيروز آبادي هي الأودية التي تُنبت ضروبا من النبت، والبستان كلّ ما يكون في البساتين، وتكون فيه الكروم. وفي تاج العروس للزبيدي أضاف معنى آخر، وهو أن الكلمة اشتقاقها مأخوذ من «الفردسة» التي تعني السّعة، فيكون الفردوس هو المكان الواسع المتسع».

وقد اتضح لي عند زيارة دار نشر فراديس، أو من خلال أعداد الكتب التي نشرها، أنه كان في واقع الحال يعمل بديناميكية مؤسسة لا تكل ولا تمل من العمل، سواء في متابعة المؤلفات والتواصل مع كُتّابها، أو حتى الإشراف على مراحل الطباعة، والمشاركات الخارجية في معارض الكتب التي تتطلب فريقا من الموظفين للتواجد في معارض الكتب المتلاحقة. شخصيا تواصلتُ مع طيب الذكر موسى الموسوي العام الماضي لإعادة نشر مجموعتي القصصية «بذور البوار»، فرحّب بالفكرة بلا تردد، وطُبعت المجموعة بالفعل. وكان من المقرر أن نحتفي بتوقيعها في معرض مسقط للكتاب 2026، غير أن الظروف الجيوسياسية التي مرت بها المنطقة أجلت المعرض، وحالت دون ذلك اللقاء المرتقب الذي لم يتحقق.

رحل الموسوي تاركا غيمة من الحزن تظلل من عرفه وتعامل معه وتعرّف على نبله ودماثة أخلاقه، ومحبته للثقافة والكُتب، ودعمه للباحثين والدارسين. وللأسف لا أدري هل كان يُدوّن يومياته ومذكراته حول تجربة دار النشر التي كانت فكرة، ثم تحولت إلى واقع ملموس، أم أن المشاغل الكثيرة حالت دون كتابة السيرة الذاتية الحافلة بالتحديات والنجاحات أيضا؟ نأمل أن تواصل دار «فراديس» مسيرتها التي انطلقت عام 2004 بذات الروح والحماس التي تركها مؤسسها، وأن تستمر الدار في الطباعة والنشر والتواجد في معارض الكتب.

رحم الله موسى الموسوي وأسكنه فراديس جناته، ولا نقول إلا سبحان من تفرد بدوام العزة والبقاء، وكتب على مخلوقاته الموت والفناء، ولم يشاركه أحدٌ في خُلده حتى الملائكة والأنبياء.