الكتابة الشعرية الحديثة في عُمان: قراءة في المضمون والشكل «2-2»
24 أغسطس 2026
24 أغسطس 2026
شهدت القصيدة الشعرية العُمانية تحولا مهما في كتابتها الموضوعية كما ذكرنا في المقال السابق؛ وذلك باختيار موضوعات غير تقليدية والتركيز على الرموز والإيحاءات والغوص في العوالم الذاتية بعيدا عن المباشرة في المعاني ما أوجد نصوصا شعرية مغايرة -على الأقل- عن النصوص التقليدية في الكتابة الشعرية.
ومثلما كانت الكتابة الشعرية تتجه إلى التجديد في موضوعاتها فإنها أيضا شهدت تحولا في شكل الكتابة أسوة بالقصيدة الشعرية العربية، كما هو الحال عند شعراء قصيدة التفعيلة في بدايات ظهورها في أربعينيات القرن الماضي عند (بدر شاكر السياب ونازك الملائكة)، أو مثلما هو الحال عند شعراء قصيدة النثر كما عند (شعراء مجلة شعر) في خمسينيات القرن الماضي.
بطبيعة الحال لقد قرأ الشعراء الشباب هذا التحول على صعيد الشكل، فكان الاتجاه نحو شكل شعري منفتح على الفضاء الإبداعي للشاعر، ومنها كان التجديد في الكتابة «السطرية» التي تخرج بالقصيدة من نظام الشطرين والقافية والوزن الواحد إلى نظام آخر يعتمد على التفعيلة أو الإيقاع الداخلي، وهو ما أحدث إشكاليات عدة للمتلقي سنذكرها بعد قليل.
كانت البداية في تجريب الشكل الجديد في الأدب العُماني عند الأديب عبدالله الطائي؛ إذ يُعد أول من كتب قصيدة التفعيلة في عُمان من خلال قصيدته (انفخوا النار)، فقد أشار الأديب أحمد الفلاحي في كتابه (مع الأدب العُماني) إلى ذلك قائلا: «ولقد كان أستاذنا عبدالله الطائي رحمه الله هو أول من جرّب كتابة الشعر الحر من شعراء عُمان». ويقول في موضع آخر: «ويصل أخيرا إلى الشعر العُماني ما عرف بقصيدة «الشعر الحر» كما سميت وهي ما نعرفه اليوم بـ«شعر التفعيلة» وقد ظهر هذا التجديد أول ما ظهر -على حد علمنا- مع الأستاذ عبدالله الطائي في ستينيات القرن الماضي الميلادي».
لقد ولج عبدالله الطائي -ذو الثقافة الشعرية العربية الأصيلة، وهو الشاعر الذي كتب على بحور الشعر العربية- مواطن التجديد بكتابته الشعرية في النمط الجديد وهو يدرك حتما مقدار الخطوة التي يسير بها، والعقبات التي ستواجه شكل الكتابة لديه. إنّ الطائي في هذه المرحلة شكّل انتقالا مهما بين مرحلتين: مرحلة الكتابة السابقة ومرحلة التجديد والإبداع -على صعيد الشكل على الأقل-، فكانت خطوة مهمة تبعتها خطوات أخرى تمثّلت في كتابة قصيدة النثر لا سيما في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته.
شاعر آخر أدرك أنّ الشكل الشعري يمرُّ بفترة تطور وانتقال وتجريب، وهو الشاعر عبدالله بن علي الخليلي الذي تربّى على أسس وقواعد القصيدة العمودية وخاض عوالمها حتى لُقّب بـ(أمير البيان)، لكنه رأى في شعر صلاح عبدالصبور أنموذجا يقتضي التجريب فألّف ديوانه (على ركاب الجمهور) متأثرا بكتابات صلاح عبدالصبور في قصيدة التفعيلة كما ذكر في مقدمة الديوان.
سارت القصيدة بعد ذلك بشكل متوازن في الكتابة من جهة، وبصراع خفي ورفض للشكل الآخر من جهة أخرى، وأصبح هذا الصراع محتدما بين شكلين اثنين؛ كل شكل له طبيعته في الكتابة التي عليها. وباستقراء الكتابة الشعرية الحديثة نجد أننا أمام تحول شعري في جسد القصيدة العربية له إسهاماته في بنائية القصيدة كما له معارضاته. ما يمكن قوله: إن القصيدة الشعرية نتاج قادر على استيعاب الجديد، ومواكبة متغيرات الكتابة الحديثة، والانفتاح على المستجدات شكلا ومضمونا. وهنا فإننا نقدّم للقصيدة تعبيرا قادرا على نفض التكرار والمضي بعيدا عن أدوات مستهلكة، وهنا تنفتح الكتابة في شكلها على المعطيات الجديدة في الكتابة.
أنا هنا لا أريد القول: إن الشكل القديم لم يعد قادرا على المواكبة والحضور الزمني. بالعكس؛ فإننا نفتح الباب على محاولات جادة للتغيير ولو كانت في ثوب الشكل القديم، غير أنني أجد أن هذا الصراع مهم في زمنه من أجل خلق صراع صحي ينهض بالقصيدة في شكليها الاثنين. لنجد أنّ القصيدة الشعرية بنيت في كتابتها الحديثة بالخروج على نظام الأشطر الشعرية القائمة على الوزن والقافية إلى نظام الأسطر الشعرية القائمة على نظام التفعيلة أو الإيقاع الداخلي كما ذكرنا، تطول هذه الأسطر وتقصر حسب رؤية الشاعر وحاجته في التعبير بخلاف القصيدة العمودية الملتزمة بأشطر متساوية وثابتة.
ومع مرور الوقت صارت القصيدة الشعرية أكثر انفتاحا وامتزاجا مع الأشكال الأخرى، فعملت على تفتيت الأسطر الشعرية إلى أسطر متداخلة مع القطعة النثرية، وهو ما سبّب مغالطات كبيرة في فهم ماهية القصيدة الجديدة. نجد ذلك الامتزاج عند غير شاعر من شعراء القصيدة العُمانية الحديثة كسيف الرحبي وسماء عيسى ومحمد الحارثي وعلي المخمري وصالح العامري وغيرهم؛ إذ تتشكّل القصيدة لديهم من امتزاج فني بعيدا عن الشكل القائم على الأشطر أو الأسطر، فالكتابة الفنية هي ما تُحدّد الجنس الشعري، وهنا نجد الأسطر الشعرية تتداخل في التعبير مع الفقرة أو القطعة النثرية مشكّلة نصا شعريا حديثا له دلالاته في التركيب والتعبير. يقول محمد الحارثي مثلا في (الناقة العمياء) في نصه المعنون بـ(فحمة الحداد):
إذا لا ضير من إدراج فحوى النتائج
لا ضير من ذلك، كما يفعلون في البنوك
قبل مطلع العام الجديد
لاحتساب الأرباح
والخسائر
فملايين لوحاته المُتأرجحة بفوائدها المُتراكمة بين المتاحف والمزادات واللصوص والسّاسة والأبقار البلهاء وكلاب الشوارع والفئران والقطط السّمان ورجال الأعمال ومُزوّري لوحاته المحترفين؛ لم تُحتسب أصلا في المحصلة النهائية!
لأنهم سلفا عرقلوا وصول حوالةِ إلهٍ متقاعد
إلى قبر الفنان.
ويقول علي المخمري في قصيدته (لا) المنشورة في ديوانه (تعريفات رجل لا يفرق بين السكين والوردة):
دفنتُ رمل سواحل الباطنة فيّ
وجلستُ على صخرة الغياب
تحت نخلة تناهشت عذقها
ببغاوات الثرثرة
وغربان الحيرة.
النخلة التي قطفت زنودها
شاشة للصياد
النخلة التي تستقبل العائدين
من رحلاتهم بالرقص الأبدي.
(يُحكى أنه أيام الغزو البرتغالي لعُمان مرت سفينة برتغالية بأحد سواحل الباطنة. مات أحد جنودها فوضعه زملاؤه في صندوق، ورموا به إلى الماء.
بعد فترة اقتادته الأمواج إلى شاطئ إحدى القرى البحرية، فاجتمع الأهالي حول الصندوق، كاجتماع النسور حول الجيفة وعندما فتحوا الصندوق، أضاء لهم ذلك الوجه الأوروبي المشبع بالحمرة والرأس ذو (الكشة) الشقراء الكثيفة.
فانبهر السمر البسطاء بالمنظر، فقال أحدهم: «انظروا إلى النور الذي يشع منه». وقال آخر: «انظروا إلى هذا الشكل الغريب، إنه من كوكب آخر، إنه ولي من أولياء الله».
أجمع أهل القرية على ذلك، واتفقوا على تسميته بالشيخ (أبو كشيشة)، وهو تصغير للمفردة المحلية (الكشة) التي تشير إلى شعر الرأس الكثيف.
أقاموا له ضريحا ومزارا.. قام أهل القرية بزيارة القبر طلبا للشفاء والغفران حسب الشعوذات القديمة، زاره طالبو الحاجات وأهل الزار ومحضرو الأرواح الذين قاموا يوما ما بتحضير جميع الأرواح إلا روح الشيخ (أبو كشيشة) التي اندحرت وذهبت بعيدا.. إلى ذلك الجندي المجهول الذي مات منذ زمن بعيد مهزوما في بحر عُمان).
هنا تتصارع القصيدة في مفهومها الحديث، ويعود السؤال حول شرعية القصيدة النثرية في شكلها الداخلي هل هي شعر أم نثر؟ أو إلى أيهما أقرب؟ فالمراوحة بين الأسطر الشعرية وبين الفقرة النثرية حوّلت قراءة النص من كونه نصا شعريا إلى نص محمّل بدلالات النثرية وهنا يكمن محل الخلاف والصراع الأدبي.
لقد أوجد الانتقال الشكلي في الكتابة إشكاليات عدة لدى المتلقي، وهي إشكاليات لا تزال تطرح أسئلتها للشعراء، ومنها:
أولا: إنّ الكتابة الشكلية الحديثة خرجت على نمط القصيدة العربية وشكلها التقليدي، وهو خروج شكّل للمتلقي فقدان الهوية الشعرية وتراثها، وألبسها هوية مضادة قائمة على المثاقفة والتقليد للآخر الغربي.
ثانيا: كما خرجت هذه الكتابة على النظام العربي القديم في بناء القصيدة وتركيبها القائم على الوزن والقافية والشطرين، وهي أسس متعارف عليها منذ القدم، وألفها المتلقي والمتذوّق، وهو ما عُرِّف به الشعر من كونه «كلاما موزونا مقفى»، وهي حتما إشكالية مهمة تقرأ من خلالها.
ثالثا: إنّ الأذن الشعرية التي تربّت على السماع والوزن لم تتأقلم مع الشكل الجديد لا سيما القائم على الإيقاع الداخلي الذي لا تحدّه قيود الوزن وأنغامها، وهو ما دفعهم إلى رفض القصيدة الجديدة في انتمائها إلى الشعر أصلا.
فإذا أضفنا إلى ذلك قضية التسمية للشعر الجديد وملابسات النشأة وظروفها وتحولاتها فإننا أمام إشكاليات كبيرة ولّدت لنا مواجهة في عالم الشعر الحديث، لكن بأية حال فإن تحولات الشكل في القصيدة الحديثة أوجدت -كما ذكرت- صراعا مهما في النهوض بالقصيدة الحديثة وانتقالها إلى مراحل فنية جديدة تتماشى مع الزمن الحالي.
