زنجبار.. وإن طال الانتظار
24 أغسطس 2026
24 أغسطس 2026
عند الأفق في صباح تسطع فيه الشمس على صفحة البحر، برزت ملامح ساحل زنجبار لنا ونحن نعتلي سطح السفينة قادمون إليها من البر التنزاني، تذكرت فرحة اقتراب الأجداد الذين بلغوا حلم الجزيرة في صدر الإسلام قادمين من موانئ عمان، عندما يمموا أنظارهم إلى هذه البقعة من الأرض، وأقاموا بعدها بقرون دولة مثلت في زمنها قبل 450 سنة امبراطورية شاسعة، وصارعت الاحتلال بأنواعه على تلك الصفحة من ماء البحر، ونشرت الإسلام والعلوم فيها، ورسخت المبادئ والخلق الرفيع، وأسست لمفهوم العلاقة بين أفراد المجتمع، ونظمت إيقاع الحياة فيها، ونشرت الأمن والاستقرار وهو الامتداد الذي تلمسه اليوم فيها.
وعندما تطأ قدمك تلك الديار تشعر أنها جزء منك وامتداد لحضارتك وماضيك، وأن كل تفاصيلها تشكل هويتك العُمانية من طرقها وأزقتها وقصورها وآثارها وبحرها وشواطئها ونخيل نارجيلها وأشجار المانجو العملاقة فيها، وفي تفاصيل الحياة اليومية وإنسانها وأخلاق أهلها، كانت مدهشة في جمالها واستقبالها فقد أضعت عمرا دون زيارتها.
زنجبار بإرثها التاريخي الكبير الذي غير عديد المفاهيم في بناء الحضارة المستنيرة ومراحل أحداثها وتطورات تحالفاتها ومساهمتها في كسر الغزاة ودحرها لهم، وبناء العلوم والمعرفة وعلاقتها بالقوى عبر سلاطينها الذي مروا على قيادتها، هي صفحة تستحق التوقف كثيرا عندها، فهي ليست عابرة في التاريخ بل إضاءة مهمة في المنطقة استمرت آثارها إلى اليوم، أثرت وتأثرت بمن حولها.
فكل ذلك الإرث المهم والذي يعني كل إنسان في هذا الوطن، هو الرصيد الحضاري الذي ينبغي التعامل معه على أنه جزء مهم وكبير من تلك الحضارة والهوية المتفردة للعماني التي أوصلها لما وراء البحار، ولم تكن تلك الحضارة استهدفت خلاف بناء الإنسان في هذه البقعة التي ضللت بعض المصادر التاريخية أهدافها، وحرفت مقاصدها وشوهد إنجازاتها.
زنجبار اليوم، ليست الأمس، فأحوال الأمم في التاريخ فلك دائر لا يتوقف فيها الزمن عند مرحلة ليحافظ عليها ما لم نحرص على استمرارها، فقد وطأت أقدام العمانيين لها فاتحين في 1698م بعد طرد البرتغاليين وحكمها 11 من سلاطين عمان وقبلهم الإمام سعيد بن سلطان الذي اتخذها عاصمة ثانية بدءا من 1832م، والتي تأثرت مسيرتها بالوجود العماني الذي أشرق فيها لواء الإسلام، وانتشر في شرق السواحل الإفريقية وأواسط أدغالها، وساد فيها التطور والمعرفة والعلوم.
فهذه الجزيرة الرائعة التي تعرف بأونغوجا تبلغ مساحتها (1666) كيلومترا مربعا، ومع الأرخبيل (2650) كيلومترا مربعا، وعدد سكانها 1.9 مليون نسمة، تدهشك من اللحظة الأولى بإيقاع الحياة فيها وتقاسيم يومها، وزيارتك الأولى لها لا تكفي لمعرفة أسرارها، فعمقها التاريخي، وسبر أغوار حضارتها يحتاج منك زيارات، فرغم صغرها، فإنها أكبر من أن تستوعبها في أيام معدودة.
