ثقافة

كيف يصنع الشباب ثقافتهم في قلب التحول المعرفي؟

14 أغسطس 2026
14 أغسطس 2026
من الكتاب إلى الذكاء الاصطناعي

بين صفحات الكتاب وشاشات الهواتف أصبحت وسائل المعرفة متاحة وتتعدى المكتبات والمصادر التقليدية، فثقافتنا اليوم تعتمد على مصادر متعددة ولا ترتبط بالكتاب وحده، ومع اتساع الفضاء الرقمي وتدفق المعلومات بأدوات جديدة للتعلم والبحث كوسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي باتت علاقة الشباب بالقراءة والمعرفة أكثر تنوعا بين الكتاب والمحتوى الرقمي والذكاء الاصطناعي الذي يقدم إجابات فورية، مما أعاد تشكيل مفهوم الثقافة لدى الجيل الحالي.

((عمان)) تحاور عدد من الشباب المهتم بالقراءة في هذا الاستطلاع، للكشف عن عاداتهم المعرفية ومصادر ثقافتهم، عن حضور الكتاب في حياتهم، ومدى اعتمادهم على الذكاء الاصطناعي في التعلم..

الكتاب أولا

تشير شماء بنت خالد البلوشي إلى أن آخر قراءة كاملة لي كانت قبل نحو أسبوع، حين أنهيت كتابي "في سبيل التاج"، و"الفضيلة" للمنفلوطي. وبعد أن فرغت من قراءة ثلاثة مؤلفات له أود أن أشارك رأيي الخاص في عملية الترجمة حيث أدركت أن للمترجم قدرة استثنائية على إعادة تشكيل النص، بل وتحويل كتاب عادي أو رديء إلى عمل أدبي بالغ الروعة.

وأحيانا يبلغ المترجم من التمكن حدا يتجاوز فيه حضور الكاتب الأصلي، إلى درجة أن ينسب القراء الكتاب إلى المترجم نفسه.

وهذا ما ينطبق بوضوح على المنفلوطي؛ فعلى الرغم من أن جانبا كبيرا من أعماله قائم على الترجمة، فإنها ارتبطت باسمه في الذاكرة الأدبية، حتى بات كثيرون يعدونها من مؤلفاته، وكأن أسلوبه الأدبي طغى على النص الأصلي وأعاد صياغته وفق خصوصيته، فأصبح جزءا أصيلا منه.

منوهة أن المنفلوطي من أبرز النماذج التي تجسد هذه الموهبة؛ فحتى رواية "ماجدولين"، على الرغم مما قد يراه البعض في قصتها من ابتذال، استطاع أن يمنحها رونقا خاصا وسحرا أدبيا فريدا، بفضل لغته وأسلوبه وقدرته على إعادة خلق النص.

وتوضح البلوشي أن القراءة بالنسبة إلي المصدر الأهم للمعرفة، ونافذتي الأولى إلى اكتشاف الأفكار واللغات والتجارب المختلفة. وأحرص كذلك على الاستفادة من المصادر الرقمية الموثوقة التي توسع مداركي وتتيح لي فرصا مستمرة للتعلم، لكن الكتاب يبقى الأقرب إلي والأكثر تأثيرا في تكوين معرفتي.

أما الكتب الصوتية، فعلى الرغم من أنها لا تشبع تماما شغفي بالقراءة، ولا تمنحني الإحساس ذاته بتأمل المفردات واستشعار الأساليب وملمس الورق ورائحته، فإنها تحافظ على صلتي بالكتاب والمعرفة، وكأن أحدا يتكفل عني بمهمة القراءة، بينما أواصل أنا رحلة التعلم من خلال الإصغاء.

وعن دور الذكاء الاصطناعي في عملية التعلم، تشير إلى أنها لا تعتمد عليه اعتمادا كليا؛ وتضيف: أستخدمه في تبسيط بعض المفاهيم وترسيخها، وتنظيم الأفكار، ثم أعود إلى الكتب والمراجع الموثوقة للتحقق من المعلومات والتعمق فيها.

وأرى أن الذكاء الاصطناعي ليس خيرا مطلقا ولا شرا مطلقا، وإنما هو أداة تتحدد قيمتها وفق طريقة استخدامها والوعي الذي يحكم التعامل معها.

فهو يوسع آفاق المعرفة ويفتح أبوابا جديدة للتعلم، لكنه يفرض في المقابل تحديات حقيقية، من بينها انتشار المعلومات المضللة، وتراجع التفكير النقدي عند إساءة استخدامه، فضلا عن هيمنة المحتوى المتشابه. لذلك أؤمن بأن الوعي هو الأساس في الاستفادة من هذه التقنيات، وأن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون وسيلة داعمة للتعلم، لا بديلا عن القراءة والبحث والتحقق والتفكير المستقل.

الثقافة في الحياة

وتوضح تقوى الحراصي قرأت منذ نحو شهر كتابا كاملا، وكان رواية "كل الأشياء" لبثينة العيسى.

ورغم اعتيادي التمهل في القراءة، فإن الروايات تمتاز بترابط أحداثها، وهو ما يدفع القارئ إلى الاسترسال ومتابعة الصفحات واحدة تلو الأخرى.

وقد جذبتني الرواية بأحداثها الشيقة، فوجدتني أواصل قراءتها بشغف ورغبة في معرفة النهاية ومصير شخوصها.

وفي ما يتعلق بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في التعلم، فإنني أتجنب ذلك إلى حد كبير، انطلاقا من إيماني بأن القدرة العقلية لدى الإنسان ليست أمرا يحتاج بالضرورة إلى عون خارجي.

ومن خلال ملاحظتي، أرى أن كثيرا من الأفكار والمشاريع والعبارات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي لا تتجاوز في أحيان كثيرة حدود التكرار، وتفتقد إلى السمة الإنسانية الأهم، وهي الإبداع.

ولا أنكر أن الذكاء الاصطناعي قد يكون مفيدا لبعض الأشخاص في جوانب تعليمية متعددة، لكنني، على المستوى الشخصي، أفضل ألا أعتمد عليه، وأرى أن الإنسان قادر على تطوير قدراته بالبحث والتفكير والتجربة.

وتشير الحراصي إلى أن نظرتها تغيرت إلى مفهوم الثقافة، مبينة: كنت في السابق أحصر الشخص المثقف في ذلك الذي يعكف على قراءة مختلف الكتب، ويستمد معارفه منها، ويتنقل بين مجالات الآداب والفكر.

غير أن وسائل التواصل والتجارب التي أتاحتها لي الحياة جعلتني أدرك أن الثقافة أوسع من ذلك بكثير؛ فالشخص الذي يسافر، ويلتقي شعوبا مختلفة، ويتعرف إلى ثقافاتهم وعاداتهم، هو أيضا شخص مثقف، وكذلك من يتحاور مع جاره حول موضوع معين ويخرج من ذلك الحوار بمعرفة أو تجربة جديدة، فهو بدوره يكتسب جانبا من الثقافة.

لذلك أرى أن الثقافة لا تنحصر في القراءة وحدها، وإنما تكتسب من الحياة، ومن التجارب، والاحتكاك بالآخرين، والانفتاح على العالم بكل ما يحمله من اختلاف وتنوع.

ميزان المعرفة

ويتحدث أحمد بن حمود المسكري عن الكتب التي غيرت نظرته إلى المعرفة وطريقة تفكيره ويصف كتاب "ميزان الفكر" بأنه كتاب مبسط لدراسة علم المنطق الأرسطي.

ويضيف: أحدثت قراءته تحولا حقيقيا في طريقة تعاملي مع الأفكار والمعارف؛ إذ انتقلت من مرحلة تلقي المعارف والأفكار دون دليل إلى مرحلة أكثر وعيا بضرورة التحقق من أساس كل معرفة ومدى صلاحية الاستدلال عليها.

فمن خلال الكتاب، بدأت أعي بصورة أوضح متى يمكن أن أقول عن أمر ما إنه دليل، ومتى يمكنني تصديقه، ومتى ينبغي أن أنفيه أو أتوقف عن التسليم به.

وأدركت أن الإنسان بحاجة إلى أن يؤسس لنفسه نظرية في المعرفة، وألا يذعن لأي فكرة لمجرد شيوعها أو طرحها، وإنما يبحث عن البرهان الذي تستند إليه.

مبينا أن الكتاب ساعده على التمييز بين اليقينيات التي يمكن بناء المعرفة عليها، والمغالطات التي قد تبدو في ظاهرها مقنعة، لكنها تقوم على استدلال غير سليم.

وهذا الوعي غير طريقة نظري إلى الأفكار والحجج من حولي، وجعلني أكثر انتباها إلى كيفية بناء المعرفة، وإلى الأسس التي تجعل الاستنتاج صحيحا أو مغالطا، مضيفا أن الحديث عن مقدار ما غيره هذا الكتاب في فكري وطريقة نظري إلى الأشياء يطول، لأنه لم يكن بالنسبة إلي مجرد كتاب في المنطق، بل كان مدخلا إلى طريقة مختلفة في التفكير والنظر إلى المعرفة.

رحلة لا تنتهي

وتبين الريم السعيدي: أنها تقرأ باستمرار وكانت آخر مرة أنهت فيها كتابا كاملا الأسبوع الماضي، مؤكدى أن الكتب بالنسبة لها المصدر الأهم للمعرفة.،

أما الذكاء الاصطناعي، فلا تعتمد عليه في التعلم، مبينة: أجد أن القراءة والبحث في المصادر تمنحني مساحة أوسع لبناء المعرفة وفهمها، ولا أعتبر نفسي مثقفا بالمعنى الذي يوحي بالوصول، بقدر ما أرى نفسي في رحلة مستمرة نحو الثقافة؛ فكلما تعلمت شيئا، أدركت أن ما أجهله أوسع بكثير مما أعرفه، وهذا ما يدفعني دائما إلى توسيع آفاقي واستكشاف مجالات مختلفة من المعرفة.

ووتابع: من بين ما أتابعه اليوم قناة «Let's Talk Religion» على يوتيوب، لما تتيحه من طرح يفتح أبوابا للتفكير والاطلاع.

مبينة أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تغيير مفهوم الثقافة لدي، خصوصا مع اتساع تدفق المعلومات وسرعة وصول الأخبار من مختلف أنحاء العالم؛ فأصبحت أكثر اهتماما بالتحقق من المعلومات وعدم الاكتفاء بمصدر واحد.

ولم تعد الثقافة في نظري مجرد معرفة عامة، بل أصبحت تشمل الوعي بأحوال الشعوب، والقضايا الإنسانية والبيئية، وفهم السياقات الحقيقية للأزمات التي يشهدها العالم اليوم.

أما الكتب التي غيرت طريقة تفكيري، فهي كثيرة، لكن يأتي في مقدمتها "قواعد العشق الأربعون"، الذي ترك أثرا واضحا في نظرتي إلى المعرفة والحياة.

الثقافة ممارسة

ويرى محمود بن عبدالله الهنائي أن الكتاب والإنترنت من أهم المصادر التي يستقي منها المعرفة ويطور بها أفكاره، ويوضح: أنهيت قبل ثلاثة أيام قراءة كتاب "الداء والدواء" لابن القيم الجوزية.

أما الذكاء الاصطناعي فلا أعتمد عليه بشكل أساسي في التعلم، وإنما أستفيد منه عند الحاجة.

حيث أعتبر نفسي مثقفا إلى حد بسيط؛ لأنني أؤمن بأن الثقافة ليست بكثرة ما يقرأ الإنسان فقط، بل بما يتعلمه ويطبقه في حياته، فكل كتاب أقرأه يضيف لي شيئا جديدا.

ويشير أنه يتابع أحمد الشقيري لما يقدمه من محتوى يجمع بين المعرفة والتجربة والتطوير الذاتي، مضيفا أن وسائل التواصل الاجتماعي غيرت مفهوم الثقافة لدي إلى حد ما، فقد أصبحت الثقافة اليوم أكثر انتشارا وسهولة في الوصول إليها، وأصبح الإنسان قادرا على الاطلاع على أفكار وتجارب متنوعة.

ومن الكتب التي غيرت طريقة تفكيري كتاب "طوق الحمامة" لابن حزم، فقد فتح لي زاوية مختلفة لفهم النفس الإنسانية والمشاعر والعلاقات بين الناس.

وعي رقمي

بينما يخبرنا إلياس الفهدي أنه أصبح يعتمد اليوم بدرجة كبيرة على الذكاء الاصطناعي في الحصول على المعرفة والتعلم، فهو يتيح له الوصول إلى معلومات واسعة ومتنوعة حول أي موضوع يثير اهتمامه.

موضحا عندما تتبادر إلى ذهني فكرة أو معلومة أو تساؤل، أحرص على ألا أكتفي بإجابة مختصرة، بل أطلب منه التوسع في الموضوع وتقديم معلومات قد تصل إلى خمسة آلاف كلمة أو أكثر، بحسب طبيعة الموضوع، حتى أتمكن من الإحاطة به وفهم تفاصيله بصورة أعمق.

وأجد أن من أهم مزايا الذكاء الاصطناعي أنه يختصر علي وقتا كبيرا في البحث والتعلم، ويساعدني على الوصول إلى المعلومات وتنظيمها بصورة أسرع.

ومع ذلك لا أتعامل معه باعتباره وسيلة للحصول على إجابات سريعة ومختصرة فحسب؛ لأن الاختصار المفرط قد يؤثر في طريقة تفكيري ويجعل المعرفة سطحية.

لذلك أحرص دائما على أن أستفيد منه بطريقة توسع مداركي، وتمنحني تفاصيل كافية للتفكير والتحليل، بدلا من أن تختصر لي المعرفة إلى الحد الذي يلغي حاجتي إلى الفهم والتعمق.