منى واصف: صرخة لا تصدأ وسنديانة لا تكسرها السنون
منذ صرختها الأولى في مسلسل "أسعد الوراق"، تلك الصرخة التي لا تزال ماثلة أمامنا ملء أسماعنا ووجداننا، استمرت الفنانة القديرة منى واصف في إطلاق صوتها مدوياً في أرجاء الفن والحياة.
ما بين تلك اللحظة التأسيسية وبقية الصرخات في أدوارها ومواقفها، تمتد تفاصيل كثيرة يصعب تعدادها لقامة اختزلت تاريخ الفن وواجبه تجاه المجتمع.
فنانة كبيرة في كل شيء، تعتني بأدق التفاصيل حتى في حواراتها وإطلالتها الإعلامية. عندما طلبتُ منها حواراً قبل عقدين من الزمن، رفضت أن نلتقي في مكان فاره أو مقهى، كما كان يطلب الكثير من الفنانين حينذاك، واستضافتنا في منزلها الأنيق بكل حفاوة وتكريم، وكان حواراً جميلاً تحدثت فيه بكل تواضع عن تفاصيل كثيرة من حياتها.
قامة فنية ذات حضور مبهر ومتجدد، حارسة على هيبة الفن بثوابتها التي تتمسك بها، يمتد ظلّها المورق على مساحة العالم العربي بكامله. استحقت لقب السنديانة بجدارة؛ صمدت عقوداً طويلة وما زالت تعزف لحن الشغف الذي عشقته منذ الصغر.
قسوة البدايات
انتزعت منى واصف حضورها الفني من قلب التحدي في بداياتها، ومسحت عن كاهل طموحها غبار النظرات الاجتماعية الضيقة في ستينيات القرن الماضي.
دخلت عالم المسرح القومي السوري عام 1961 بعينين تتقدان إصراراً، وروح تأبى الانكسار.
شكل المسرح بالنسبة لها معبراً حقيقياً ومختبراً أخلاقياً؛ هناك صقلت أدواتها، وهناك ولدت تلك النبرة الصوتية الرخيمة التي صارت مع عقود الزمن بصمة بصمة تتفرد بها؛ في نصوص عالمية وعربية مثل "الملك لير" و"أوديب" و"تاريخ شديد التعقيد"، علمتنا منى واصف كيف يزن الممثل كلماته بميزان الذهب، وكيف تحول الخشبة القاحلة إلى أرض تفيض بالوقار والتجلي.
تعاملت مع التمثيل كطقس مقدس يتطلب طهارة في الروح والتزاماً لا يحيد.
حضور عالمي
حين اختارها المخرج الراحل مصطفى العقاد لبطولة النسخة العربية من فيلم "الرسالة" (1976) في دور "هند بنت عتبة"، كانت تخوض رهاناً كبيراً على كرامة التمثيل العربي في المحافل الكبرى.
خاضت تجربة نادرة؛ إذ صُوّر الفيلم بالتوازي مع نسخة إنجليزية وقفت فيها الممثلة اليونانية العالمية إيرين باباس في نفس الدور.
وعلى الرغم من التاريخ الحافل للأخيرة في هوليوود، جاء أداء منى واصف ليرغم الجميع على الانحناء؛ نظرات عينيها الحادة، وصوتها الذي يخرج من عمق صحراء مكة، وإيماءاتها الصارمة، جعلت أداءها صرحاً قائماً بذاته. يومها شهد النقاد وصنّاع السينما أن هذه الممثلة القادمة من دمشق صنعت معيارها الخاص بكبريائها وثقافتها الفنية، ووقفت نداً لند أمام العالم.
لم تغلق أبواب السينما خلفها مطلقا رغم النجاح والحضور، ولكنها اقتصرت على ثلاثين فيلماً فقط؛ فالسينما السورية بالكاد تنهض لأسباب كثيرة يصعب سردها هنا، ولم تستفد من إمكانيات النجمة منى واصف بشكل كامل.
ورغم بداياتها المسرحية واستفادتها الكبيرة من الإطلالات المسرحية التي صقلتها بشكل مميز لتكون صاحبة الحضور الأوسع في الوسط الفني، إلا أن المسرح السوري الذي تعطلت عروضه كثيراً واقتصرت على الهبات الفردية والعروض الموسمية، لم يقدم لمن أخلصوا له ما يلبي طموحهم على كل الأصعدة؛ فغادرته أيضاً مع آخر عمل لها في "حرم سعادة الوزير"، لكنها بقيت صوته العالي كَمُحَكِّمَةٍ في كثير من المهرجانات المسرحية العربية، إضافة لدورها الفعال ورؤيتها الصائبة في مهرجانات سينمائية أيضاً.
تواضع الكبار
تتميز منى واصف بحضور استثنائي يجمع بين الأناقة المترفعة والبساطة الآسرة أينما حلت؛ فلا تتكلف أضواء الشهرة ولا تنفصل عن طبيعتها الإنسانية الدافئة. تجلت هذه الفلسفة بوضوح في أحدث أعمالها الدرامية مثل مسلسل "مولانا"؛ حيث لم تتخلَّ لحظة عن وهج نجوميتها وهيبتها التاريخية، وفي الوقت ذاته وقفت بتواضع الكبار إلى جانب جيل الشباب من الممثلين.
رسمت في ذلك العمل أجمل الأدوار دون أدنى تكلف، مانحة الممثلين الشباب مساحة لتألقهم، ومشكّلة معهم مظلة احتضان فني وأمومي نادر. أثبتت للجميع أن النجومية الحقيقية تزداد سطوعاً كلما اقتربت من جيل آتٍ، وأن القامة الكبيرة هي التي تسند من حولها وتمنح العمل نكهة الوقار والأصالة.
قدمت أكثر من مائتي عمل فني بين الدراما والمسرح والسينما، وتجلى تفوقها في قدرتها المدهشة على إعادة تعريف صورة "الأم" في الوجدان العربي. طهّرت هذا النمط الأدائي من مساحات الاستكانة والضعف الباكي، لتصوغ منه نموذجاً للأم الحازمة، الحكيمة، والقوية التي تدير شؤون عائلتها ومدينتها برزانة لا تتزعزع، كما في "أيام شامية"، و"ليالي الصالحية"، وصولاً إلى شخصية "أم جبل" في "الهيبة".
تجاوزت أمومة منى واصف النص لتلامس الواقع السوري المعقد؛ فمع أول أيام الحراك الشعبي في سوريا، تمسكت بدورها الإنساني كفنانة تقف في صف الحق. نادت بصوت عالٍ وحس أمومي ينبض بالوجع مطالِبة بالحليب لأطفال درعا والمحافظات السورية، مجسدةً الموقف الأخلاقي الذي يرفض الانفصال عن هموم الناس، لتبقى صرختها تلك امتداداً لصرخاتها الفنية التي ترفض الظلم والجمود.
اعتراف عالمي
على مدار ستة عقود من العطاء، تراكمت الألقاب حول اسمها فكانت "سيدة المسرح العربي"، و "أم المسرحيين"، وحصلت على وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة، إلى جانب تمثيلها للمنطقة كسفيرة للنوايا الحسنة للأمم المتحدة.
حمل التكريم الأخير في العاصمة السعودية الرياض (ضمن حفل جوائز Joy Awards) طعماً استثنائياً ولحظة فخر لكل فنان وعربي.
حين اعتلت المسرح لتستلم جائزة "الإنجاز مدى الحياة" من يد النجم الفرنسي العالمي جان رينو، وتوالت الإشادات والتصفيق الحار بحضور السير أنتوني هوبكنز وكوكبة من صناع السينما العالمية والعربية؛ شعر الجميع بوهج هذه القامة السورية. وقف الجميع إجلالاً لرمز عابر للحدود كُتب اسمه بحروف من نور في ذاكرة الفن الإنساني.
السنديانة التي تعطي أكلها كل حين
تتسارع الأيام وتمضي، وتتغير الموضات الفنية، وتتبدل أدوات الإنتاج، وتظل منى واصف ثابتة في مكانها كأشجار السنديان العتيقة في جبال بلاد الشام. لم تغرها أضواء الشهرة الزائفة، ولم تفرط يوماً بوقار كلمتها أو صدق موقفها.
أربعة وثمانون عاماً هي حكاية عشق لا تنتهي للفن وللحياة، رحلة عطاء لا تزال مستمرة، وصوت عريض لم تثنه السنون عن المتابعة والعطاء؛ بوصلة أخلاقية وفنية تعلمنا في كل ظهور أن الشغف حين يمتزج بالصدق والكرامة، يصنع أسطورة لا تموت.
