أدب المهجر بين الأمس واليوم
عنوان تقليديّ هو ما "عنونت" به مقالي، على أمل أن يقدّم مضمونه مداخلة تُفيد المعاصرين الآن من جهة، وتُفيد الباحثين في شعر المهجر وأدبه بشكل عام من جهة أخرى.
تساءل أحد المثقفين على منصة "الفيسبوك": لماذا لا يحظى أدباء المهجر اليوم بالاهتمام كما حظي جبران وآخرون؟ أمّا أنا فأزعم أن الإجابة تأتي من خلال فهم السّياق، لعلي آتي عليه في متن مقالي هذا.
لقد مرّ على ظهور "شعراء المهجر" قرن ونصف القرن تقريبا، لقد بدأت الهجرات الشّاميّة عام 1870 تقريبا، أي في أواخر القرن التاسع عشر، لذلك، بالرغم من ميلنا للمدرسة الإبداعية في التعامل مع الشعر والأدب والفنّ، إلاّ أن من الضروريّ فهم السياق التاريخيّ لهذه الظاهرة الأدبية، لأن ذلك يعمّق النظرة في فهمها.
بدأت الظاهرة إذن مع الهجرة، وارتبطت بأعمار الشعراء، ومدى تمكّنهم من التراث العربيّ من جهة ومن التأثّر بالأدب الأجنبيّ حين هاجروا إلى الأمريكتين الشمالية والجنوبية، وإن اشتهرت الرابطة القلمية التي أسّسها جبران في الولايات المتحدة، أكثر من العصبة الأندلسيّة التي تأسّست في أمريكا الجنوبيّة.
ومنذ وُصول الشعراء من مُختلف الأعمار، والشباب بشكل خاصّ، فقد تابعوا ما كانوا يكتبونه في بلادهم الأصلية، وصاروا يعبّرون عن مشاعرهم وأفكارهم عن مكانهم الجديد.
في هذا السّياق، وفي ظل وجود حركة بريد نشطة وآمنة، فقد اتجه مبدعو المهجر لنشر قصائدهم وخواطرهم في صحف ومجلات بلاد الشام ومصر، أكانوا ممّن نشر من قبل، أو ممّن بدأوا ينشرون حديثا، وبالطّبع كان كل ذلك باللغة العربية.
وهذا يقودنا إلى أن حركة الشعر العربيّ الموصوف بشعر المهجر الذي نشأ وتطوّر خارج الفضاء العربي مكانا، ارتبطت بحركة الشعر والأدب داخل الوطن العربيّ، بل لعلّ الشاعر عمر أبو ريشة الذي كان من بين الشعراء الذين اغتربوا فترة من الزمن، مثال لهذه الحركة الثقافية بين الوطن والمهجر.
عند العودة لتاريخ الأدب العربيّ الحديث، يمكننا ملاحظة بداية الأدب الحديث كتيّار جديد مضمونا وشكلا ولغة أواخر القرن التاسع عشر. أيّ أن ذلك قد ارتبط بالاتصال الحضاريّ مع العالم، خصوصا مع أوروبا، وبعد ذلك ببضع عقود مع أمريكا جنوبا وشمالا.
لقد تركت حملة نابليون على الشرق العربيّ أثرا لم يقف عند حدّ العلوم، بل امتدّ ذلك إلى الثقافة، ما دفع المثقفين إلى ردود فعل متنوّعة تجاه التفاعل بين الثقافة العربية والثقافات التي تمّ الاتصال بها داخل بلادنا من خلال الإرساليات، وخارجها من خلال التعليم والهجرات.
لذلك يأتي "شعر المهجر" ضمن هذا السياق؛ فقد تفاعل الشعراء العرب من بلاد الشام بشكل خاصّ مع ما كان ينمو من اتجاهات أدبية في المهجر، فكان نتاج هذا التفاعل ما أصبح يرتبط به من تجديد وإضافة أدبية.
وبالطبع لم يأت ذلك مباشرة، فقد تدرّج الشعراء في ذلك، وهو أمر طبيعيّ؛ فالشعراء القادمون من الثقافة العربية كحاضنة لهم، بما فيها من تراث أدبيّ قد أعادوا إنتاج الإبداع وفق ما اعتادوه، ثم شيئا فشيئا، فقد بدأ التأثر في الإنتاج بالمكان الجديد، بما نما من مشاعرهم الإنسانية التأمليّة، بمعنى أنّ الشعراء عبروا عن حياتهم هناك، ولما كانت حياتهم قد تغيّرت فعلا مضمونا وأسلوب عيش، فقد انعكس ذلك على الإبداع، وإن تمّ ذلك بصدق فنيّ تجاوز ما كانوا يعانونه من تكلف وتقليد في البلاد.
ولعلّ لذلك قد نتج سيكولوجيا وسوسيولوجيا عن هامش الحريّة في التعبير خارج الفضاء التقليديّ.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الاستمرار بالعيش في المهجر، ومع معرفتهم للغات هناك، فقد صار بإمكانهم التعرّف على الشعر المكتوب بلغات جديدة، كذلك الأدب من مقالات وقصص وروايات.
وخلال ذلك فقد تأثروا في الوعي واللاوعي بمذاهب الكتابة هناك، ما شجّعهم على الاستمرار في تيّارهم الأدبيّ الحديث، والذي لقي ترحيبا في الوطن الأم، ما زادهم طاقة إبداعيّة في الاستمرار بهذا الجديد.
لقد قوبل الشعر المهجريّ بحسن الاستقبال، وإن أخذ بعض الكتاب عليه بعض الركاكة اللغوية، ذلك أن المثقفين العرب وجدوا فيه ما يستحقّ الاهتمام، ما كان له أثر عليهم، بل وفي مرحلة لاحقة فقد ارتبطت حركة شعر المهجر بمدرستي "أبولو" و"الديوان" اللتين وجدتا في القاهرة مقرّا لهما.
لقد نشأت المدرستان: "أبولو" و"الديوان" في بداية الثلاثينيات، أي بعد عقد من السنوات على الرابطة القلميّة؛ ثمة تأثّر وتأثير بين المدارس في أمريكا ومصر من جهة، وثمة تأثر بالحداثة الغربية مباشرة من جهة أخرى، إضافة لتغيّر الحياة العربيّة هنا من جهة ثالثة. في المجمل راح المثقفون والكتّاب والشعراء يقرؤون لبعضهم بعضا، بل وينشرون في المجلات ما يبدعه شعار المهجر والوطن معا.
ومع تطور النهضة العربية التي بدأت في أواخر القرن التاسع عشر، وازدياد الاتصال بين الشرق والغرب بشكل خاصّ، أكان ذلك الاتّصال ثقافيا أو أكاديميّا، ومع ازدياد وتسارع وسائل الاتصال، فقد صارت تيارات الحداثة متيسّرة لمن هم داخل الفضاء العربيّ هنا، إضافة لفتح المزيد من المراكز الثقافية الأجنبية في بلادنا، فقد تمّ جسر الفجوات المعرفيّة بين المثقفين هنا وتيارات الحداثة العالمية.
أما النظر الآن لأدباء المهجر، الذين يكتبون باللغة العربية وبلغات أخرى، فإن الاهتمام الثقافيّ والأكاديميّ لم يهملهم، وبخاصة المبدعون منهم، وإن كان بدرجة أقلّ لما كان من اهتمام من قبل، كون كتّاب المهجر الآن هم جزء من حركة ثقافية عالمية، صرنا جزءا منها. كذلك لا ينبغي أيضا إهمال عنصر آخر، ألا وهو تطور الأدب العربيّ هنا في بلادنا.
وبعد، فإنني آمل أنني استطعت تقديم إجابة قامت على فهم السياق التاريخي الثقافي لبلادنا واتصالها السابق واللاحق بتيارات الثقافة العالمية.
