حجب الجوائز الأدبية العربية وسؤال النزاهة
على فترات تطالعنا أخبار عن حجب بعض الجوائز الأدبية، ومعها تعلو أصواتٌ تنتقد الحجب، باعتبار أن الأصل في الجوائز هو التشجيع خاصة إذا كانت تُمنَح لعمل أول.
أصحاب هذا الرأي يرون أنه يمكن التغاضي في تلك الحالة عن شرط الكتابة الرفيعة، والقبول بعمل يحقق الحد الأدنى من الجودة، والسؤال كيف يمكن الاتفاق على آلية واضحة عربياً؟ هذا ما يجيب عنه التحقيق.
مؤخراً لفت الكاتب العُماني سليمان المعمري الانتباه لقضية الحجب من خلال مقال نُشِر في جريدة عمان، مستشهداً بحجب جائزة سميحة خريس للرواية الأولى، وبيان لجنة التحكيم الحاد والواضح بأن الأعمال لا ترقى، حيث إن غالبيتها نتاج لبرامج الذكاء الاصطناعي.
أسأله في نقطة لم يتطرق إليها مقاله: هل ثمة ضرورة لمنح الجائزة كنوع من التشجيع إذا كانت لعمل أول؟ فيجيب: "يبدو أنك استنتجت -بما أنها جائزة العمل الروائي الأول- أنها تشجيعية أو مخصَّصة للشباب. أما أنا فلم أستنتج هذا الاستنتاج إطلاقاً، إذ لا يعني كونها جائزة للعمل الأول أنها بالضرورة جائزة للتصنيف التشجيعي، بل قد تكون لروائي لم يُكتشف بعد".
ويضيف: "نحن نعلم من تاريخ الأدب العالمي أن هناك روائيين بدأوا مسيرتهم في سن متأخرة، فإيزابيل الليندي نشرت روايتها الأولى بعد أن تجاوزت الأربعين -على ما أظن في الحادية والأربعين من عمرها- وعبد الرحمن منيف كذلك بدأ بعد الأربعين، وساراماغو صدرت روايته الأولى بعد أن تجاوز الخمسين.
بناءً على ذلك، فهمت أن الجائزة هي للعمل الأول وليست حكراً على الشباب أو مجرد جائزة تشجيعية، فليس في أدبياتها ولا في شروطها -حسب ما قرأت- ما يشير إلى ذلك. وربما استنتجت أنت وآخرون أنها للشباب أو للتشجيع فقط لمجرد كونها للعمل الأول، بينما يمكن لشخص تجاوز الخمسين مثلي، ولم يسبق له إصدار رواية، أن يشارك فيها بشكل طبيعي".
ويختتم كلامه قائلاً: "خلاصة إجابتي أنني لم أعدُّها جائزة تشجيعية للدافع الذي ذكرته. وحتى فيما يتعلق بالتشجيع، ورغم أنني لم أقرأ الأعمال، فإن عدم إيجاد لجنة التحكيم لرواية واحدة تستحق الفوز يعكس وجود مشكلة، فإما أن تكون الروايات ضعيفة، وإما -كما قيل- إنها روايات مُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي".
قرصة أذن
أسأل الناقد الأردني الدكتور محمد عبيد الله: حجبتم جائزة سميحة خريس.. فهل هي قرصة أذن ضد الاستسهال سواء في كتابة عمل متوسط أو استخدام الذكاء الاصطناعي؟
يجيب: "مبدأ الجائزة، أي جائزة حسب فهمي، أنها تقدير وتفريد للعمل الإبداعي المتميز، ولذلك ففي حال لم نجد بين الأعمال المتقدمة عملاً متميزاً يستحق نيل الجائزة فإن الحجب هو النتيجة العادلة. الجوائز تختلف عن أي تشجيع أو نشاط آخر، فهي لا تُمنَح لأفضل عمل متقدم، بل تشترط أن يكون العمل متميزاً وعلى سوية فنية كافية".
ويؤكد أن مشاركته في تحكيم جائزة سميحة خريس وجوائز أخرى كشفت له مؤخراً أن الكتابة الروائية الجديدة دخلت في الرتابة والتقليد والخفوت، فهناك إقبال كمِّي بسبب ما يحيط بالرواية من استقبال طيب وتكريم مادي ومعنوي عبر الجوائز واهتمام دور النشر ودوائر الثقافة، ولكن هذا الاهتمام أدى إلى تجاوب كمِّي وليس فنياً أو نوعياً، الكل يريد أن يغدو روائياً أو روائية، وهناك إقبال نسوي منقطع النظير على كتابة الرواية، وهناك أصوات جيدة، لكن ثمة راغبين وراغبات في الانضمام لنادي الرواية دون موهبة ودون جهد واطلاع، والوصفة جاهزة مع مساعدة الذكاء الآلي وتطبيقاته التي يتقنها الجيل الجديد بكفاءة، كل ذلك دون خبرة وبصيرة وتجربة، ودون حتى اشتباك مع ماضي الرواية العربية وذاكرتها القريبة. يعلق: "تصور أن جميع المتقدمين للجائزة لا يظهر في أعمالهم أنهم قرأوا عملاً روائياً "كلاسيكياً" مما تثقفنا عليه ومما يحتجُّ به في مسيرة الرواية، كل ما يرشح عن هذه الأعمال ثقافة مختلطة تعتمد على مشاهدة الدراما والسينما الجديدة التي توفرها المنصات الجديدة وثقافة الترفيه والمغامرات".
يرى عبد الله أنه ليس بمقدور المرء تصحيح المسار، ولكن لا شك في أن حجب الجوائز ينبه المعنيين كُتَّاباً وناشرين ومؤسسات إلى أننا نجابه مشكلة أو مشكلات في الإنتاج الأدبي الجديد، لافتاً إلى أننا لا نطالبه أن يكون مطابقاً للأجيال السابقة ولكنه ينبغي أن يكون استمراراً واستئنافاً لما بنته أجيال الرواية في العقود السابقة.
أسأله مجدداً: لو تكرر الأمر في كل مرة تشارك فيها في التحكيم.. أي أنك وجدت الأعمال غير جيدة.. هل ستحجب العمل؟
ويقول: "مهمة الناقد مهمة صعبة وشاقة، وهو في مسألة الجوائز أمام اختبار لضميره الأدبي وللثقافة التي نشأ عليها، ولذلك ينبغي فعلاً أن يتسم بالنزاهة والموضوعية، والإنصاف، ولا ينبغي له أن يكون عنصراً وظيفياً في دورة العلاقات العامة، ولذلك فإنني أسعد حين أسهم في إبراز عمل أدبي جيد متمكن حتى لو لم يكن صاحبه معروفاً بعد، وفي الوقت نفسه لن أتردد حيال حجب الجائزة إن لم يتوفر في العمل الأدبي ما أتوسمه من شروط جمالية وثقافية، ومنها أن يشعرني بأنه انطلق من حيث انتهى السابقون، وأنه قرأهم وعرف إنتاجهم قبل أن يبدأ، أما هذه البدايات البيضاء فلا تدل إلا على ثقافة محدودة وعلى التفاعل مع سمعة الرواية وليس مع نصوصها وتجاربها الكبرى.
ألم تفكروا في منحها كجائزة تشجيعية خاصة أنها للعمل الأول؟
يجيب: "الجائزة بحسب منظميها انطلقت لاكتشاف الروائيين الجدد في الأردن، تحت سن الثلاثين، ربما أسهمت هذه الشروط في تضييق نطاقها، ولذلك نأمل أن يُعاد النظر فيها ولا يتم ربطها بسن محددة، وكذلك أن تكون عربية وليست محلية، فتوسيع مظلة الجائزة قد يكفل لها حقاً الوصول إلى الأصوات الجديدة المهمة، وهي بلا شك موجودة، ولكن الإبداع بطبيعته قليل في كل العصور".
ويضيف: "شهدت الجائزة نقاشات مستفيضة، ولم يكن هناك جدل بين المحكمين على النصوص المقدمة، فضعفها ليس خفياً ولا خلافياً، وقد أشرنا في بيان الحجب إلى أهم الملاحظات لعل وعسى أن ننبِّه إلى بعض الأخطار الجديدة.
في رأيي العمل الأول هو الذي يحدد مسيرة الكاتب الجديد، خصوصاً إذا مُنِح جائزة تعلن انضمامه لمسيرة الرواية والحركة الأدبية، ولذلك مثل هذه الجائزة أخطر وأصعب من منح جائزة لأعمال ليست أولى. حتى لو لم تكن كاملة الأوصاف. منح جائزة لعمل غير ناضج فيه تنازل لا يملك الناقد الحصيف الإقدام عليه".
معايير واضحة
الأكاديمي المصري الدكتور عماد عبد اللطيف يمهد لرأيه بطرح تصوُّرَه عن معايير الحجب. بالنسبة له الجائزة مكافأة معنوية ومادية تُعطى تقديراً لعمل حقق معايير منحها.
وهكذا منح الجائزة مرتبط بتحقيق معايير، فإن لم تتحقق، يجب حجبها، لأن منحها دون تحقق شروطها يعني إما مخالفة الشروط، أو خفض معاييرها، وفي الحالتين تتضرر سمعة الجائزة. الجائزة ليست مسابقة يفوز بها أفضل المتسابقين بغض النظر عن مستواهم كما نرى في مسابقات الألعاب مثلاً. الجائزة الفكرية والأدبية مكانة، يجب ألا ينالها إلا من استطاع الوصول إليها. يعلق: "معيار الحجب بالنسبة إليَّ هو عدم مطابقة الأعمال المرشحة لمعاييرها.
وبالطبع تختلف هذه المعايير من جائزة إلى أخرى، بحسب قيمتها الرمزية والمادية. فمعايير منح جائزة محلية في الرواية يجب أن تختلف عن معايير منح جائزة البوكر العالمية. وسيكون من الظلم حجب الأولى إذا حُكِّمت بمعايير الثانية. ويتعين على المحكمين إدراك هذا الفرق في المعايير أثناء اتخاذ قرارات المنح أو الحجب".
هل تتخلى الجائزة عن نزاهتها إذا مُنحت لعمل غير فارق؟
يجيب: "منح الجائزة لعمل متوسط القيمة يُخلُّ بنزاهة الجائزة في حالتين؛ الأولى إذا كان العمل الممنوح أقل من المعايير التي حددتها الجائزة، والثانية إذا كانت هناك أعمال أخرى فارقة، وجرى منح الجائزة لعمل متوسط. وفي الحالتين، تُوضع علامات استفهام حول الجائزة، ومانحيها.
لكن لو أن الجائزة هي نفسها متوسطة القيمة، وتسعى إلى دعم وتشجيع الكُتَّاب في بدايات مشوارهم الإبداعي، فإن منح الجائزة لعمل متوسط القيمة يصبح مفهوماً وطبيعياً. فهو يُمنح الجائزة لأنه ليس رديئاً".
هل ترى أن الجوائز الأدبية العربية تتساهل أحياناً في منحها لأعمال لا ترقى؟
يقول: "نعم، وبكل تأكيد. الجوائز العربية الحكومية والخاصة لها معايير معلنة وأخرى خفية.
وما يُفسدها هو هذه المعايير الخفية. فالجوائز الحكومية لها شروط منح مسبقة، لا علاقة لها بالإبداع، مثل الموالاة. لذا نادراً ما تُمنَح لمبدع معارض. كما أن لمعظم الجوائز الخاصة مصالح وأهدافا خاصة بها، تستعمل المكافأة المادية والمعنوية التي تمنحها أداة لتحقيق هذه المصالح.
بعض الجوائز تشترط أن تكون للفائز بها مواقف اجتماعية أو سياسية أو دينية أو أيديولوجية معينة. مانحو هذه الجوائز يشغلهم تحقيق مصالح الجائزة، ومصالح القائمين عليها. والأعمال الفائزة لا تفوز استناداً إلى قيمتها وجدارتها، بل استناد إلى النفع الذي تقدمه للجائزة ومانحيها".
فقدان المصداقية
الكاتب الكويتي عبد الله الحسيني يجيب عن سؤال هل تتخلى الجائزة عن نزاهتها إذا لم تمنح لعمل فارق؟ قائلاً: "حتى مع اعتقادي بأن لكل لجنة تحكيم معيارها الذوقي للأعمال المرشحة، لكن ثمة ما يتفق الجميع حوله –ضمناً- على جودة العمل، أي عمل، سواء من ناحية الموضوع أو الفنيات. وإذا ما كان العمل الفائز في الجائزة، أي جائزة، دون هذه الجودة، تفقد الجائزة لديَّ مصداقيتها وبالتالي نزاهتها، ولا أعود أعرف علام تحتكم لجنتها".
هل تشعر بالغضب إذا شاركت في جائزة وحُجِبت؟
يجيب: "نعم قد ينتابني غضب بالتأكيد، لكني لن أصرح به، إذا ما قدمت عملاً لجائزة وبالتالي حُجِبت، وسبب عدم تصريحي يعود لأنني وافقت منذ البداية على التقديم للجائزة وبالتالي وضعت نفسي رهينة لقراراتها ومبادئها سواء أعجبتني أم لا".
افتقار للمعايير
الكاتب العراقي سلام إبراهيم يبدأ بسرد ملاحظة عامة على الجوائز العربية، تتلخص في أن لجان التحكيم تفتقر إلى معايير واضحة لتحديد الرواية المستحقة للفوز.
وقال: "لو تأملنا الجوائز العالمية كالبوكر الأصلية ونوبل، لوجدنا معياراً عاماً يعتمد على قوة علاقة النص ببنية المجتمع ومدى فاعليته في تغييرها، إلى جانب مساسه بجوانب إنسانية عميقة.
هذا هو المعيار المضموني والإنساني الشامل، أما المعيار الشكلي والتقني فيفترض أن تكون الرواية ممتعة، وتجذب القارئ، وتمنحه لذة المعرفة ولذة الجمال".
وأضاف: "هذه المعايير تغيب عن لجان التحكيم لدينا.
وقد تابعت جائزة البوكر وكتبت لسنوات في الصحافة عن الروايات التي وصلت لقائمتها القصيرة وتلك التي فازت، وأرى أن الحجب هو الخيار الصحيح إذا لم تصل الروايات إلى هذا المستوى من التأثير الإنساني والاجتماعي والفني، ولا ينبغي تقديم جوائز تشجيعية للشباب على حساب المعايير الصارمة، فالتقييم يجب أن يكون حاسماً ومستنداً إلى مقاييس عالمية بغض النظر عن سن الكاتب.
المشكلة الكبرى اليوم هي أن عشرات الروايات المتواضعة التي فازت بمختلف الجوائز تحولت إلى نماذج يحتذي بها الشباب، فأصبحوا يكتبون على منوالها، مما أدى إلى تراجع وانحدار في الفن الروائي".
***
هذه واحدة من المرات النادرة التي يتفق فيها كل المشاركين في تحقيق على رأي واحد، وهو أن الحجب وجوبي إذا لم تكن الأعمال الأدبية رائعة، والسؤال لماذا تستمر الكتب الرديئة أو المتوسطة إذن في الوصول إلى منصات التتويج؟
