نظيرة الحارثية والقوى العمانية الناعمة
04 أغسطس 2026
04 أغسطس 2026
ما طرحه جوزيف ناي (ت: 2025م) من علاقة الدولة في صناعة القوى النّاعمة وتوظيفها من حيث الثقافة والمجتمع والسّياسة، وسبق أن كتبتُ مقالة في جريدة عُمان حول: «الأخلاق النّاعمة في المجتمع العماني»، وهذه لها علاقة بالمجتمع، وتأثيرها ساحر في النّفوس البشريّة المختلفة، والذي يهمّني في هذه المقالة الجانب الثقافي في تشكّله الفرداني كقوى ناعمة، وهذا ما ينطبق على المرحومة نظيرة بنت أحمد الحارثيّة.
الجمعة الماضية (31 يوليو) انتشر خبر مأساة جبل برود بيك (Broad Peak) في سلسلة جبال كاراكورام شمال باكستان، والّذي يزيد ارتفاعه عن ثمانية آلاف متر، فعند ارتفاع 6.600 متر حدث انهيار جليدي أدّى إلى وفاة المجموعة المتسلّقة وعددهم عشرة أشخاص، منهم المتسلّقة العُمانية نظيرة الحارثيّة، شاركها متسلّقون من نيبال وأمريكا والصّين وباكستان، وأشهرهم النيبالي نيرمال بورجا، وهو من الرموز العالمية في رياضة تسلّق الجبال.
ما حقّقته نظيرة الحارثيّة خلال الفترة من 2015 – 2022م يعدّ إنجازا كبيرا، جعل الإعلام العالميّ يلتفت إليها، وانضمامها إلى فريق المتسلّق النيبالي نيرمال بورجا يدلّ على أنّها وصلت إلى درجة عالية في رياضة التّسلّق على مستوى العالم.
وقد وصلت سابقا إلى قمّة إيفرست، وهي أعلى قمّة في العالم فوق مستوى سطح البحر، يصل ارتفاعها إلى قرابة تسعة آلاف متر، وتقع بين نيبال والصّين ضمن منطقة التّبت، وصلت إليها في 23 مايو 2019م، وهي بذلك أول امرأة عمانيّة تصل إليه، وقد سبقها ملهمها خالد السّيابيّ (ت: 2019م) كأول عمانيّ يصل إلى قمّة إيفرست في 23 مايو 2010م، وأول عماني يصل إلى العالميّة في رياضة تسلّق الجبال.
كذلك حاولت الوصول إلى أعلى نقطة في قمّة كليمنجارو في شمال شرق تنزانيا، وارتفاعها يقترب من ستة آلاف متر، وهي أعلى قمّة في قارة أفريقيا، حاولت في الأولى وفشلت، ونجحت في الوصول إلى أعلى قمّة فيه في 2015م.
أيضا وصلت إلى قمّة آما دابلام في نيبال، وهو قريب قمّة إيفرست، ويعد من حيث التّسلّق أصعب من إيفرست، وارتفاعه يقترب من سبعة آلاف متر، ووصلت نظيرة إلى قمّته في 2021م.
ووصلت إلى قمّة جبل ماناسلو في وسط نيبال، وارتفاعه ثمانية آلاف متر، ووصلت إليه في 2021م، وفي العام التالي 2022م وصلت كأول امرأة عمانيّة وعربيّة إلى قمّة K2 بين الصّين وباكستان، ويصل ارتفاعه إلى 8611 مترا، كثاني أعلى قمّة بعد إيفرست على مستوى العالم.
هذه الرحلة من الإنجاز ليس سهلا أن يقوم بها رجل في عنفوان شبابه ونشاطه، هنا قامت بها امرأة تحدّت الصّعاب، وأثبتت قدرتها في تحقيق مرادها، لتصل إلى درجات عالية على مستوى العالم، وتنافس نظيراتها في الوطن العربيّ، من أمثال سوزان الهوبي من فلسطين، ورها محرّق من السّعوديّة، ودولوريس الشلّة من الأردن، وغيرهنّ.
رغم أنّ نظيرة الحارثيّة مارست هوايتها بمحض فردانيّتها؛ إلّا أنها لم تفارق علمها الوطني العماني، حملته معها ورفعته في أعلى القمم، مرسلة بذلك رسالة أنّها تحمل اسم وعلم بلدها ليصل إلى أعلى قمم العالم مكانة، وفي هذه رسالة ناعمة أن يكون لبلدها أيضا مكانة ثقافية ورياضية على مستوى العالم، وليس الوطن العربي فحسب.
من السّهولة أن تخلق قوى ناعمة ضمن مؤسسات تلقى الدعم المادّي والإداري ضمن مؤسسات الدولة، كان رياضيّا أم ثقافيّا أم اجتماعيّا أم سياسيّا أم اقتصاديّا؛ لكن ليس من السهولة أن يخرج ضمن هذا الركام قوى ناعمة فرديّة، تتحدّى العوامل المالية والاجتماعية والإدارية، وتصنع إبداعها بيدها، واعتمادها على ذاتها، تخلق قوى ناعمة إبداعية تتجاوز الحدود القِطرية، وترسل رسائل ناعمة عن بلدها وعالمها القِطري من خلال ذاتها وإرادتها. الدول المتطورة تستغل هذه القوى الناعمة الفردية، ولا تقتصر عند القوى الناعمة المؤسسية، والّتي يعوقها أحيانا المصالح الشخصية، والمحسوبات الذاتية، والترهلات الإدارية، بينما الإبداعات الفرديّة تجد مناخا أوسع في تحقيق إبداعها، وإيصال رسالتها. الدّول الذّكيّة تعطي مساحات أرحب من حريّة تحقيق مثل هذه القوى النّاعمة الفردية، فكلّما توسع مناخ الحرّيّة؛ تعدّد واتّسعت دائرة الإبداعات الفردية، ولهذا يطرح اليوم ما يسمّى بالقوى الناعمة الذكية، المستثمرة لمثل هذه الإبداعات من جهة، والموسعة لمناخ إبداعها من جهة أخرى.
ما قامت به نظيرة الحارثية كان ضمن هذا الإبداع الفرديّ في جانبه الرياضي، وبذاته يحمل رسالة ثقافية للعالم عن المرأة العربية عموما، والعمانيّة خصوصا، عن قدرتها في المساهمة في الثقافة والإبداع الإنساني والعالمي الأوسع، كما في هذا رسالة عالمية عن الإنسان العربي والعماني وقدرتهم في المساهمة الثقافية والرياضية العالمية، بأشكالها المتنوعة والمختلفة.
القوى النّاعمة والمبدعة في تشكّلها الفردي لا تخلو من تحديات، وعلى رأس التحديات الموت ذاته. والجالس في بيته، الخائف من تحديات الطبيعة والحياه، وإن طال أفق تفكيره، بيد أنه لن يصنع إبداعا بقدر باب بيته. والذي يكثر الحديث عن رغبات أمله، ويتوقف عند الثرثرة دون عمل، سيتجاوزه الزّمن، ويبقى إبداعه كالهواء المتناثر لا قيمة له، فإذا لم يصدقه العمل والدخول في تحدّيات الحياة ومصارعتها؛ لا قيمة لرغباته وكثرة حديثه.
ثمّ تأثير وإبداع القوى الناعمة كانت فردية أم مؤسسية لا يقاس بفترة زمنية، فقد يخلق إبداعا في سنة ما لا تخلقه مؤسسات في سنوات، والمبدعون لا يقاسون بطول أعمارهم، ولكن بأثر إبداعهم، وهذا ما وجدناه عن المبدعة نظيرة الحارثيّة، فهي وإن فارقتنا في نهاية العقد الخامس من عمرها، لكنّها فارقتنا بإبداع مؤسّسات لعقود أكبر مع إمكانات هذه المؤسّسات الماديّة والماليّة.
فارقتنا الحارثيّة باكرا، وإن كان الفقد مؤلما، إلّا أنّها فارقتنا جسدا، بيد أنّ روحها الإبداعية، ونضالها لتحقيق طموحها سيبقى درسا خالدا ملهما لأجيال وأجيال، وستبقى رمزا إبداعيّا من رموز وطننا الغاليّ. فرحمها الله، وغمرها بلطفه ومنّه وفضله وعين محبّته.
