No Image
رأي عُمان

عُمان وبناء المصلحة المشتركة

13 سبتمبر 2026
13 سبتمبر 2026

تمتد آثار أي اعتداء على منشآت الطاقة أو أي سفينة تجارية إلى خارج المحيط الذي وقع فيه الاعتداء دون النظر إلى مبررات الاعتداء أو دوافع السياسية. وسرعان ما يدخل الهجوم في حسابات التجارة والاستثمار وأمن الإمدادات في المنطقة كلها. ومع اتساع هذه الأخطار يصبح استقرار الجوار جزءا من قدرة كل دولة على حماية مصالحها وبناء مستقبلها. ومن هذه الحقيقة تكتسب الجهود التي تبذلها سلطنة عُمان أهميتها اليوم؛ إذ تعمل على إبقاء التواصل قائما بين دول تختلف في حساباتها وتحتاج إلى أن تجد أرضية تتعاون عليها.

وتعمل عُمان منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما تبع ذلك من إغلاق للملاحة في مضيق هرمز لإيجاد ترتيبات يمكن أن تتطور لحلول عملية لاستعادة الملاحة الآمنة عبر المضيق هرمز والتعاون لإزالة الألغام والتشاور مع دول المنطقة. ويفتح البحث في هذه الترتيبات مجالا للعمل على حاجة مشتركة وملحّة، فيما تظل الخلافات السياسية الأوسع قائمة. وتستطيع الدول أن تبدأ بحماية مصالح تتفق على ضرورتها وأن تمنح القضايا الأخرى ما تحتاج إليه من وقت وتفاوض.

تحمل الدول مخاوف مختلفة نتيجة أسباب كثيرة آنية أوجدتها الحرب الحالية وتاريخية تراكمت عبر السنوات المتتابعة، وكل ذلك مفهوم جدا ومبرر في بعض الأحيان. ويثقل على المفاوضات، أحيانا، الخوف من أن تسقط الالتزامات عند تغير الظروف وموازين القوة، ولذلك يحتاج التفاوض إلى ما يطمئن كل طرف إلى أن التزامه سيقابله التزام من الآخرين. وتوفر العلاقات التي تحافظ عليها عُمان مجالا لفهم هذه المخاوف ونقلها والبحث عن ضمانات تستطيع الأطراف قبولها.

وفي المواقف العُمانية ما يوضح القواعد التي تحكم هذا المسار، فقد أكدت سلطنة عُمان التزامها بالقانون الدولي وحرية الملاحة، وأدانت الاعتداءات على المنشآت المدنية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج والأردن والعراق، وشددت على حماية المدنيين والسفن التجارية. وتمنح هذه المواقف الثابتة الحوار مرجعيته، فأمن الدول وسيادتها حقوق ينبغي صونها وحماية حياة الناس واقتصاداتهم مسؤولية مشتركة. وكل تفاهم يُراد له الاستمرار يحتاج إلى أخذ مخاوف الدول المتضررة بجدية وتقديم التزامات تطمئنها إلى سلامة أراضيها ومصالحها.

وقد يساعد التعاون على تأمين الملاحة في تخفيف الشكوك بين دول المنطقة، فعندما تجد الدول أن اتفاقا بينها يجري احترامه يصبح لديها سبب أقوى لمواصلة الحوار. وتفيدها هذه التجربة حين تعود إلى الخلافات التي تعثر حلها، لأنها تكون قد تعرفت خلال العمل المشترك إلى ما يستطيع شركاؤها الالتزام به.

وقد تستغرق معالجة بعض القضايا سنوات، ما يجعل استمرار التعاون خلالها ضروريا لحماية ما يمكن الاتفاق عليه. وقد أظهرت الحرب مدى هشاشة المصالح الاقتصادية التي تجمع دول المنطقة حين تتدهور العلاقات السياسية. ولهذا تحتاج التفاهمات إلى إجراءات واضحة لمعالجة الخروق والخلافات حول التنفيذ، وإلى تشاور يستمر عند وقوع الأزمات، وبقدر ما تستطيع الدول الحفاظ على تعاونها في هذه الظروف، تتعزز ثقتها في إمكان التوصل إلى تفاهمات أوسع.

وللعالم مصلحة مباشرة في نجاح هذا المسار، فاقتصادات دول الخليج باتت على المحك إلى الحد الذي تراجع بعضها نماذجه المستقرة منذ خمسة عقود تقريبا. وتقتضي هذه الصلة الجمع بين احترام سيادة الدول الساحلية وصون حقوق الملاحة، وإشراك أصحاب المصالح في تفاهمات تستند إلى القانون. ومن مصلحة الشركاء الدوليين مساندة الجهود التي تساعد دول المنطقة على تحمل مسؤولياتها والمشاركة في صياغة الترتيبات التي تمس أمنها وبناء علاقات أكثر استقرارا فيما بينها.

وتستحق الجهود العُمانية استجابة جادة من مختلف الأطراف، تبدأ بالاستعداد للتفاهم وتمتد إلى الوفاء بما يُتفق عليه، فقد بنت دول المنطقة خططا طويلة المدى لتنمية اقتصاداتها وأصبح اضطراب الجوار يهدد قدرتها على مواصلة هذه الخطط. ومن مسؤولية الحكومات أن تمنح التفاهم على حماية المصالح المشتركة أولوية تتناسب مع حجم ما بات معرضا للخطر. وهذا ما يمنح العمل الذي تقوم به عُمان أهميته؛ فمستقبل المنطقة يحتاج إلى قدر من الاستقرار تستطيع دولها أن تشارك في صنعه وتعتمد على استمراره.