No Image
رأي عُمان

الخليج أمام سؤال الأمن والمستقبل

12 سبتمبر 2026
12 سبتمبر 2026

يكشف تقدم جماعة أنصار الله «الحوثيين» إلى المخا وجزيرة ميون عند باب المندب عن اتساع التحولات التي تعصف بالمنطقة منذ بدء الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، فالمعارك على الساحل اليمني تمس اليوم قدرة دول الخليج على تصدير الطاقة وتضاعف الضغوط على اقتصادات تواجه اضطراب الملاحة في هرمز. ومع اقتراب القتال من منافذ التجارة، تصبح حماية المشروعات الاقتصادية الخليجية أكثر ارتباطا بقدرة دول المنطقة على احتواء الحروب ومعالجة أسباب استمرارها.

من غزة والضفة الغربية إلى إيران والعراق واليمن، تتداخل صراعات تختلف جذورها وأطرافها لكن آثارها تتجمع في حياة شعوب المنطقة واقتصاداتها. وتفتح المواجهات المتلاحقة مجالا لتدخلات جديدة، فيما تدفع التحالفات المتغيرة الأطراف إلى إعادة حساباتها. وفي هذه البيئة التي تسيطر عليها الاستقطابات تسعى الدول إلى ترتيبات تراها ضمانا لأمنها، بينما قد يراها جيرانها مصدر تهديد. هكذا تضيق مساحة السياسة وتزداد قدرة حادث عسكري واحد على تقويض سنوات من محاولات التهدئة وبناء الثقة.

وتتحمل دول الخليج جانبا متزايدا من هذه الكلفة، فمنذ فبراير الماضي، تواجه صادرات الطاقة عراقيل تمس موردا رئيسيا للدخل بالتزامن مع أخطار الهجمات على المنشآت والبنية الأساسية. وتبرر إيران استهداف مواقع في دول خليجية بالقول إن أراضيها وقواعدها تُستخدم في الحرب عليها. ومهما اختلفت الروايات حول الوقائع والمسؤوليات، تبقى حماية المدنيين والمنشآت المدنية واجبا أساسيا لا يمكن تجاهله، وتبقى سيادة الدول وأمن مجتمعاتها خارج أي تبرير لتوسيع الحرب.

أما الضرر الاقتصادي فيتجاوز خسارة شحنة أو تعطل منشأة لأن المشروعات التي تراهن عليها المنطقة تحتاج إلى ثقة طويلة الأمد في انتظام النقل والطاقة وقدرة الحكومات على إدارة المخاطر. وحين يطول الاضطراب يعيد المستثمرون والمستوردون ترتيب خياراتهم. وقد تتحول البدائل المؤقتة إلى علاقات تجارية مستقرة تجعل استعادة الأسواق بعد انتهاء الحرب أكثر صعوبة. ولذلك لا بد من النظر إلى إنهاء الحرب على أنه شرط لحماية القدرة التنافسية للمنطقة ومكانتها في الاقتصاد العالمي.

وتفرض هذه التجربة مراجعة الترتيبات الأمنية التي تعززت بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990، فقد اتسع الاعتماد على الحماية الخارجية، فيما تكشف الأزمات المتلاحقة أن مصالح الشريك الدولي وحساباته قد تختلف عن مصالح دول المنطقة. وتقتضي المراجعة بناء قدرة دفاعية مشتركة وتنسيقا سياسيا أعمق وتعريفا للأمن يتسع لحماية الاقتصاد والمجتمع. وتحتاج هذه القدرة إلى مسار سياسي يخفض احتمالات استخدامها، ويمنح الجيران ضمانات متبادلة يمكن الوثوق بها.

وتملك دول المنطقة مصالح مشتركة واضحة في انتظام التجارة وسلامة منشآت الطاقة وأمن الحدود، وهي مصالح تتيح لها بدء التفاهم حتى مع استمرار خلافاتها. ويمكن لاتفاقات بشأن سلامة الملاحة وعدم الاعتداء، تتضمن التزامات محددة وآليات للتحقق من تنفيذها، أن تبني الثقة اللازمة لمعالجة الخلافات الأصعب.

ويحتاج تثبيت هذا المسار إلى وقف الحرب على إيران وتسوية سياسية يمنية تحفظ حقوق اليمنيين وتعيد بناء مؤسساتهم. ويحتاج كذلك إلى دعم استقرار العراق الذي أسهم الغزو الأمريكي له عام 2003 وتفكيك مؤسساته في تعميق اختلالات المنطقة. وتظل حقوق الفلسطينيين وحريتهم أساسا لأي استقرار قابل للاستمرار؛ فتجاهلها يبقي أحد أعمق مصادر الظلم والغضب مفتوحا. وتحتاج هذه الملفات إلى معالجة مترابطة تحترم خصوصية كل شعب، وتمنع اختزال مستقبله في مساومات القوى الإقليمية والدولية.

تستطيع دول المنطقة أن تبدأ من إدراك مشترك بأن ازدهارها يحتاج إلى جوار مستقر، وأن الثروات التي تُستنزف في الحروب أولى بالتعليم والعمل والصحة وإعمار المدن. وتقع على قياداتها مسؤولية تحويل هذا الإدراك إلى تفاوض جاد والتزامات متبادلة، فالشعوب التي دفعت أثمان المواجهات تستحق سياسات تصون حقها في ثروات أوطانها، وتتيح لها بناء مستقبل تستطيع الوثوق به.