مطرح .. ذاكرة تاريخية رسمها الرحالة ورسّختها الخرائط منذ القرن السادس عشر
كتبت - رقية الكندية
لطالما استحوذت مدينة مطرح على اهتمام الرحّالة والمؤرخين والمسؤولين الغربيين، إذ ورد ذكرها في مؤلفاتهم ورسوماتهم وخرائطهم منذ القرن السادس عشر، بوصفها إحدى أبرز الحواضر الساحلية في الجزيرة العربية وأكثرها حضورا في السرديات التاريخية. وقد أسهمت الصور الفوتوغرافية والأعمال الفنية التي وثّقها الزوّار عبر مختلف العصور في تشكيل مرجع بصري وتاريخي مهم، عكس ملامح الهوية الثقافية لمدينة مطرح، وقدّم تصورا حيا لجغرافيتها ونمط الحياة فيها وسكانها وتفاصيلها الاجتماعية والاقتصادية.
وتكشف هذه المصادر التاريخية المتنوعة عن نسيج ثقافي ثري يعكس التعدد الحضاري الذي ميّز مطرح عبر الزمن، ويبرز دورها بوصفها نموذجا للتعايش الثقافي والانفتاح، ومركزا تفاعليا في محيطها الإقليمي، ظل حاضرا في ذاكرة الرحّالة وكتاباتهم بوصفه شاهدا على عمقها التاريخي وثرائها الإنساني.
وأوضح الدكتور هلال الحجري، باحث مهتم بأدب الرحلات والاستشراق والأدب المقارن، أن التعددية الثقافية لمطرح خلال القرنين التاسع عشر والعشرين كانت نتاجا لموقعها الاستراتيجي ونشاطها الاقتصادي وتفاعلات المجتمعات المتنوعة، وقد أسهمت التركيبة السكانية للمدينة في إضفاء الحيوية على الحياة الاجتماعية والثقافية للمدينة.
وأضاف الحجري: إن الموقع الاستراتيجي لولاية مطرح على شاطئ بحر عُمان -الذي يتصل جغرافيّا وتاريخيّا عبر بحر العرب والمحيط الهندي بالهند والصين وبلاد فارس وشرق إفريقيا- جعلها نقطة اتصال حيوية بين عُمان والعالم الأوسع. ومنذ مطلع القرن السادس عشر، أصبحت مطرح ملتقى للثقافات واللغات والتقاليد المتنوعة؛ مما عزز شكلا فريدا من أشكال التعددية الثقافية التي لا تزال تحدد هوية عُمان اليوم.
وشرح الحجري: «تتجلى التعددية الثقافية في مطرح في تنوع سكانها وهندستها المعمارية ونسيجها الاجتماعي، الذي تشكل من خلال تفاعلات المجتمعات العِرْقية والدينية المختلفة، حيث اجتذب الميناء التجار والبحارة والمستوطنين من مختلف أنحاء المحيط الهندي وشبه الجزيرة العربية ومناطق أخرى». ويشير بعض الرحالة إلى أن ميناء مطرح كان مصنعا للمراكب الشراعية الخشبية التقليدية التي سهّلت التجارة عبر المحيط الهندي، وكانت تحمل سلعا مثل التمر والتوابل وغيرهما؛ بل إنها كانت جسورا لتبادل الأفكار والمعتقدات والثقافات.
وبحسب الرحالة الأمريكي إدموند روبرتس، فقد كانت مدينة مطرح موطنا لسكان متنوعين، بما في ذلك البلوش والهنود والفرس والأفارقة والعرب. وأشار روبرتس إلى أن سوق مطرح كان مركزا صاخبا للنشاط التجاري والتفاعل الاجتماعي؛ إذ كانت القوافل تصل يوميّا من الداخل العُماني، محملة بالبضائع مثل التمور والقمح والعنب. وقد جمعت هذه التجارة بين الناس من مختلف الأعراق والأديان، مما عزز بيئة ثقافية فريدة من نوعها؛ حيث وصف الرحالة البريطاني «جيمس بنت» مدينة مطرح بأنها «المركز التجاري لمملكة عُمان»، وأشار إلى أن لكل جالية أحياءها الخاصة داخل المدينة؛ حيث تفصل بينها أسوار، لكنهم جميعا كانوا يلتقون في السوق الذي كان بمثابة فضاء للتبادل الاقتصادي والثقافي.
إن أوصاف الرحالة الغربيين لعمران مطرح تقدم رؤى قيمة حول الهوية المتعددة الثقافات للمدينة؛ فقد وصف إدوارد ستاك منازل المدينة البيضاء المظللة بمشربيات خضراء ذكّرته بالعمارة المتوسطية. ويعكس هذا المزيج من الأساليب المعمارية تأثير الثقافات المختلفة على البيئة المبنية في مطرح. كما وصف ويليام بالجريف سوق مطرح المزدهرة والسلع المتداولة هناك، بما في ذلك السجّاد العُماني والخناجر والتمور، ولاحظ وجود المانجو الهندي والفواكه المستوردة الأخرى؛ مما يؤكد ارتباط المدينة بعالم المحيط الهندي الأوسع.
واليوم، تواصل مطرح ازدهارها كمركز للتعددية الثقافية؛ بل إنها مدينة عالمية وموطن لنسيج متنوع من العُمانيين والمغتربين. ولا شك أن هذه التعددية الثقافية في مطرح ما كانت لتزدهر لولا نظام الحكم الذي كفل التسامح الديني للمهاجرين وشجعهم على تنمية الاقتصاد واحترام الثقافة العُمانية.
وقالت الدكتورة فخرية اليحيائي، أستاذة فنون ومساعدة العميد للدراسات العليا والبحث العلمي بكلية التربية بجامعة السلطان قابوس: إن الفنانين والمصورين عبر الحقب المختلفة ساهموا في إبراز ثراء مطرح الاجتماعي والثقافي، حيث سلطوا الضوء على مطرح كفضاء ثقافي غني يجمع بين الأصالة والانفتاح. وقد درست وحللت اليحيائية أكثر من 105 صور فوتوغرافية، وأكثر من 42 لوحة قديمة تجسد مطرح، بالإضافة إلى عدد كبير من اللوحات الحديثة التي رسمها فنانون محليون وأجانب، التي تنقل جوهر المجتمع وثقافته.
وشكل كلٌّ من الأسواق، والبحر، والحياة الاجتماعية، والعمارة التقليدية، والبيئة الجغرافية الملامح الأساسية لصورة مطرح البصرية، ورسخت حضورها كمدينة تحمل في تفاصيلها أبعادا تاريخية وثقافية واجتماعية وجمالية متكاملة. وأشارت اليحيائية إلى أن الأسواق مثلت القلب النابض للمدينة، وعكست حيوية النشاط التجاري والتبادل الثقافي. كما سجلت الصور السوق بوصفه فضاء يلتقي فيه الناس وتتجلى فيه العلاقات الاجتماعية.
أما البحر، فقد ارتبط ارتباطا وثيقا بتاريخ مطرح الاقتصادي والجغرافي؛ حيث مثّل بوابتها على العالم ومصدر رزق أهلها عبر الصيد والتجارة، كما منحه الفنانون حضورا جماليا جعل منه رمزا للانفتاح والهوية البحرية. وأضفت البيئة الجغرافية للمدينة، بوقوعها بين البحر والجبال، عليها فرادة جمالية وجعلتها مصدر إلهام للفنانين الذين سعوا إلى إبراز توازنها بين الطبيعة والعمران، بالإضافة إلى قيمتها الاستراتيجية والسياسية.
كما ساهمت الحياة الاجتماعية في إثراء الصورة البصرية للمدينة من خلال تصوير مشاهد التلاقي اليومي بين الناس، والفعاليات المحلية والأنشطة التقليدية، والاحتفالات الشعبية والعادات والتقاليد التي نقلت طابع المجتمع ودفئه الإنساني. كما لعبت هذه التجمعات دورا بارزا في توثيق الملابس التقليدية وأشكال الحلي الرجالية والنسائية؛ حيث عكست هذه الصور هوية الشعب العُماني وارتباطه بعاداته وتراثه الثقافي.
كما أن العمارة التقليدية -بما في ذلك القلاع والحصون والأزقة الضيقة والمنازل القديمة- جسدت أصالة المكان وتاريخه القديم، لتكون بمثابة رمز لاستمرارية الذاكرة المكانية التي لا تزال تميز مطرح حتى اليوم.
وأوضحت اليحيائية قائلة: «برزت الأزقة الضيقة والمنازل التقليدية كسمة أساسية تسلط الضوء على الطابع الحضري الأصيل للمدينة، حيث قدمت هذه المشاهد صورة حية للحياة اليومية والبنية الاجتماعية لمدينة مطرح. كما ظهرت القلاع والحصون في الصور كشكل من أشكال العمارة الدفاعية العُمانية، مما يجسد مطرح كمدينة تاريخية محصنة ذات أبعاد استراتيجية».
إن هذا التنوع في الموضوعات وزوايا المعالجة يؤكد أن الفنانين لم يكتفوا بالتوثيق السطحي، بل سعوا إلى نقل جوهر المجتمع وثقافته. وتكشف الصور أن الفنانين الأجانب يركزون غالبا على الموقع الجغرافي والاستراتيجي لمطرح، وعند توثيقهم للحياة الاجتماعية، يسعون إلى التعرف على الشخصية العُمانية وعاداتها ومعتقداتها، مع تسليط الضوء أيضا على الأبعاد الجمالية والمنظور الكلاسيكي لحياة الشرق، كما هو الحال عند محاولة تصوير الشرق وجماله من قبل الأوروبيين والمستشرقين.
ومن خلال هذا الحضور البصري المتكرر، ترسّخت صورة مطرح في الذاكرة الجماعية المحلية والعالمية، وبالتالي يتأكد دور الفن بصفته وسيلة لإعادة اكتشاف القيمة التراثية والتاريخية لمطرح، وهو ما يسهم في تثبيت هويتها الثقافية وإبراز خصوصيتها في مواجهة تحديات التغيير والحداثة.
وللأرشيف البصري دور حقيقي في قراءة التاريخ من أبعاد وزوايا تاريخية واجتماعية أو سياسية أو اقتصادية لمطرح، ويمكن الاستفادة من هذا النتاج الفني الغزير المرتبط بمطرح من صور فوتوغرافية ولوحات تشكيلية قديمة في تقديم مشاريع فنية معاصرة تعيد سرد الأحداث التاريخية وتفسيرها بطريقة إبداعية، ما يخلق حوارا بين الماضي والحاضر.
وشرحت اليحيائي أن تعزيز حضور مطرح بصريا اليوم يتطلب مقاربة مزدوجة تجمع بين حفظ الذاكرة البصرية التاريخية وبين إنتاج سرديات بصرية جديدة، بما يضمن استدامة هويتها الثقافية وإشعاعها محليا ودوليا. ويمكن تعزيز حضور مطرح بصريا في الذاكرة الوطنية والعالمية من خلال حزمة من المبادرات الثقافية والفنية التي تعيد إحياء صورتها التاريخية وتواكب في الوقت نفسه متطلبات العصر.
وعلى المستوى الوطني، يمكن الاستثمار في أرشفة الأعمال الفنية القديمة والصور الفوتوغرافية التي وثقت معالم المدينة، وجعلها متاحة عبر معارض دائمة في المتاحف الوطنية أو عبر المنصات الرقمية التفاعلية، بما يتيح للأجيال الجديدة الاطلاع على إرث مطرح البصري. كما يمكن تشجيع الفنانين العُمانيين المعاصرين على إنتاج أعمال جديدة تستلهم من أسواق مطرح وعمارتها وبحرها وحياتها الاجتماعية، مما يعزز استمرارية الحضور الفني للمدينة.
أما على المستوى العالمي، فيمكن الترويج لمطرح عبر تنظيم معارض متنقلة في العواصم الثقافية، وإدراجها ضمن المشاريع البحثية والفنية الدولية التي تُعنى بالمدن التاريخية الساحلية، إضافة إلى توظيف الإعلام الرقمي وصناعة الأفلام الوثائقية والفنون البصرية الحديثة (مثل: التصوير المعاصر والفن الرقمي) لإبراز صورتها كمدينة عالمية الهوية.
وما زالت الأجيال الجديدة ترى مطرح بالعين ذاتها التي رآها الفنانون والمصورون قديما. وأشارت اليحيائي: «ما زالت مطرح تحتفظ بذاتها وبهيبتها التاريخية حتى اليوم، رغم التغيرات العمرانية والاجتماعية. فالموقع الجغرافي الاستراتيجي للمدينة، والعمارة التقليدية، والأسواق القديمة، والواجهة البحرية، كلها عناصر تحافظ على الهوية البصرية والتاريخية للمكان. هذه الملامح هي نفسها التي منحت مطرح قديما وتمنحها اليوم الاستمرار في حضورها الثقافي والتاريخي، وتجعلها رابطا بصريا بين الماضي والحاضر، بحيث يمكن للأجيال الجديدة الإحساس بعظمة المكان وروحه الأصيلة، حتى مع مرور الزمن وتغير أساليب الحياة».
وتسهم الصور واللوحات في خلق رابط وجداني بين سكان مطرح وأرضهم، حيث تمكن الفنانون والمصورون من نقل تفاصيل الحياة المحلية للأجيال القادمة، مما أتاح للسكان استرجاع ذكرياتهم الشخصية والجماعية والتفاعل معها. كما أن رؤية هذه الأعمال اليوم بلا شك تثير شعور الانتماء والفخر، وتخلق إحساسا عميقا بأهمية المكان. لذا فإن الصور واللوحات المتوفرة تعتبر وسيلة لإحياء التراث وتثبيت الهوية الثقافية لمطرح في الذاكرة الجمعية.
