No Image
ترجمة

ما بعد بريكست .. والعودة إلى أوروبا

25 يونيو 2026
25 يونيو 2026

ليس من قبيل الصدفة بالكامل أن الذكرى العاشرة لاستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ـ الحدث الذي أثار استقطابًا سياسيًا سامًا في السياسة البريطانية ـ قد تزامنت مع ضحية سياسية أخرى: استقالة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر. 

ستارمر يغادر بكرامةٍ معتادة، لكن دون أن ينجح في الوفاء بالوعد الذي قطعه قبل عامين بإعادة إنعاش الاقتصاد البريطاني. وكان أحد الأسباب الرئيسية لفشله هو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فقد أظهرت دراسة مهمة صدرت الأسبوع الماضي أن تكلفة «بريكست» بلغت ما بين 6 و8% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة خلال العقد الذي تلا التصويت. وبالنظر إلى هذه التكاليف الباهظة، ليس من المستغرب أن يكون تفكير الجمهور البريطاني بشأن العلاقة بين المملكة المتحدة وأوروبا القارية قد شهد تحولًا هادئًا منذ عام 2016. 

ومع ذلك، لن تدرك ذلك إذا تابعت المفاوضات بين الحكومات أو النقاشات الإعلامية. فالساسة في لندن وفي عواصم الاتحاد الأوروبي يؤكدون أن شيئًا لم يتغير تقريبًا. بل إن العديد من الوجوه نفسها لا تزال في المشهد. حزب ريفورم الذي يقوده نايجل فاراج يتصدر استطلاعات الرأي في بريطانيا، والحكومة العمالية لا تزال تشير إلى «الخطوط الحمراء» التي وضعتها الحكومات السابقة تجاه أوروبا. 

وبالمثل، في بروكسل، لا يزال كثيرون يتمسكون بموقف صارم ضد السماح للمملكة المتحدة بـ«انتقاء» المزايا الاقتصادية لقربها من الاتحاد الأوروبي دون تحمل الالتزامات المصاحبة للعضوية. 

ولا يزال لدى بعض الدوائر رغبة في تقديم مثال عبر «معاقبة بريطانيا». ويصف العديد من السياسيين الأوروبيين بريكست بأنه «طلاق سيئ» سيظل يلقي بظلاله عليهم. كما يحملون قدرًا من الاستياء تجاه البريطانيين الذين كانوا دائمًا يرون في الاتحاد الأوروبي سوقًا أكثر من كونه مجتمعًا سياسيًا. ومع وجود العديد من الأزمات الأخرى على جدول أعمالهم، يرى هؤلاء أن بريكست استهلك بالفعل قدرًا كبيرًا من الاهتمام، وأنهم حذرون من وضع مصيرهم مرة أخرى في يد الناخب البريطاني المتقلب. 

لكن في حين أن نقاش النخب لا يزال كما هو، فإن الرأي العام على جانبي القنال الإنجليزي قد شهد تحولًا لافتًا. ويبدو التغيير في المملكة المتحدة بشكل خاص دراميًا. 

فوفقًا لاستطلاع أجرته مؤسستي، المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فإن الرأي العام البريطاني قد أصيب بخيبة أمل عميقة من «بريكست»، ويرى أنه لم يؤدِ إلا إلى تفاقم أكبر مشكلات البلاد، من ارتفاع تكاليف المعيشة والهجرة غير النظامية إلى التهديدات الأمنية الجديدة. 

فحوالي 75% من الناس يرغبون في علاقة أقرب مع أوروبا، وعند سؤالهم عن معنى ذلك، كان الخيار الأكثر شيوعًا هو العودة إلى عضوية الاتحاد الأوروبي. كما أن الرغبة في إعادة الانخراط تتجاوز أيضًا الانقسام التقليدي بين مؤيدي الخروج والبقاء، إذ أعرب ستة من كل عشرة من ناخبي «المغادرة» عن انفتاحهم على علاقة أقرب مع أوروبا. 

كان أكبر عامل تغيير هو عودة دونالد ترامب إلى السلطة. فمع وجود الولايات المتحدة كحليف غير موثوق، باتت غالبية كبيرة من الناخبين في المملكة المتحدة تنظر إلى أوروبا بدلًا من أمريكا لحماية اقتصاداتها وأمنها وحتى حدودها. 

وقد تغيرت السياسة الحزبية في بريطانيا أيضًا؛ فقد تسبب تصويت بريكست عام 2016 في أزمة لحزب العمال البريطاني، لأنه شق صفوف الناخبين التقدميين وكشف عن حزب لا يملك بديلًا متماسكًا يقدمه. لكن العلاقة مع أوروبا أصبحت الآن من بين القضايا القليلة التي توحد ائتلاف العمال القديم. إذ إن تسعة من كل عشرة من الناخبين الذين تركوا حزب العمال لصالح حزب الخضر، وثمانية من كل عشرة ممن انشقوا نحو الحزب الديمقراطي الليبرالي، يرغبون في العودة إلى الاتحاد الأوروبي. وحتى بين الناخبين الذين انتقلوا من حزب العمال إلى حزب ريفورم اليميني المتطرف (خليفة حزب بريكست السابق)، فإن نسبة معتبرة تقول إنها ستصوت للعودة إلى الاتحاد الأوروبي إذا أُجري استفتاء اليوم. 

ولهذا السبب يتمحور الجدل الكبير داخل حزب العمال الآن حول التخلي عن الخط الرسمي المتحفظ الذي يكتفي بالسعي إلى «إعادة ضبط» العلاقة مع أوروبا. فالناس يريدون خيارًا مختلفًا جذريًا، وقد يدفع هذا الطلب حزب العمال إلى إعادة طرح مسألة عضوية الاتحاد الأوروبي على جدول الأعمال. 

أما على جانب الاتحاد الأوروبي، فإن الأوروبيين ـ مثل الرأي العام البريطاني ـ يدركون أن ترامب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جين بينغ قد غيّروا العالم جذريًا نحو الأسوأ. وبدلًا من محاولة جعل المملكة المتحدة مثالًا يُعاقَب عليه، باتوا يتساءلون عن كيفية بناء علاقة جديدة عبر القنال يمكن أن تخدم مصالحهم الأمنية الخاصة. إنهم يفكرون فيما يتطلبه الدفاع عن أنفسهم في وقت تتراجع فيه الولايات المتحدة عن التزاماتها، وتلوّح فيه الصين بتهديدات تتعلق بإزالة التصنيع وإخضاع أوروبا استراتيجيًا. 

ومن بولندا إلى البرتغال، تُظهر الأغلبية في كل دولة شملها الاستطلاع رغبتها في عودة بريطانيا إلى الاتحاد، ويعتقد كثيرون أن على المفوضية الأوروبية تخفيف خطوطها الحمراء الخاصة بها لتعزيز علاقة أكثر دفئًا، خصوصًا في مجال الأمن. 

وهكذا، ونحن نحيي الذكرى العاشرة للاستفتاء، ينبغي أيضًا أن نحاول رأب الصدع السياسي الأوروبي الذي فتحه بريكست. لقد ضاع الكثير من الوقت، وبلا جدوى. فعلى جانبي القنال، يطالب الرأي العام بعلاقة جديدة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة لعقدي 2030 و2040. ومع استقالة ستارمر، تتاح لحزب العمال فرصة لإعادة بناء ائتلافه الانتخابي. ومع تركيز قادة أوروبيين مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على إرثهم السياسي، ينبغي عليهم الاعتراف بأن معالجة أضرار بريكست ستكون إنجازًا تاريخيًا. 

إذا انتهز القادة اليوم الفرصة التي يتيحها لهم ناخبوهم، فإن سوء العداء الذي طبع العقد الماضي سيبدو في نهاية المطاف مجرد شذوذ تاريخي. لكن على الطبقة السياسية أن تلحق بالرأي العام. ويتعين على صانعي السياسات أن يدركوا أن أوروبا بحاجة إلى حكمة سياسية حقيقية، لا إلى مناورة سياسية ساخرة. انسوا «الخطوط الحمراء». تحتاج أوروبا إلى أن ترسخ نفسها كمجتمع سياسي قادر على الصمود أمام ضغوط عصر جديد من الفوضى وعدم النظام. 

مارك ليونارد مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، ومؤلف كتاب «النجاة من الفوضى: الجغرافيا السياسية حين تنهار القواعد».