No Image
ترجمة

كيف يُصنع أصحاب الثروات التي تبلغ تريليونات الدولارات حقًا؟

25 يونيو 2026
25 يونيو 2026

في أعقاب الطرح العام الأولي لشركة سبيس إكس هذا الشهر، تجاوزت ثروة إيلون ماسك بسهولة حاجز تريليون دولار. ولا يمكن التقليل من أهمية أول «تريليونير» في العالم. 

ثروة ماسك، التي كانت ترتفع بأكثر من مليون دولار في الدقيقة خلال العام الماضي، أصبحت الآن أكبر من ثروة ما يقرب من أربعة مليارات شخص مجتمعين - أي ما يعادل 46% من سكان العالم. 

في عام 2017، توقّع فريقي في منظمة أوكسفام أن العالم سيشهد أول تريليونير خلال 25 عامًا. وفي عام 2024، قمنا بمراجعة تقديرنا بشكل متحفظ ليصبح أقل من عقد من الزمن، وهو ما أثار عناوين صحفية قلقة. لكن سرعة تركز الثروة فاجأتنا جميعًا، وأثارت تساؤلات حول ما إذا كانت الديمقراطية يمكن أن تُحافَظ عليها في ظل هذا القدر الهائل من عدم المساواة. 

قد يجادل البعض بأن أول تريليونير في العالم هو قصة انتصار تكنولوجي ونجاح للرأسمالية الأمريكية. وبالتأكيد، فإن الصواريخ القوية القادرة على العودة إلى الأرض تُعد مثيرة للإعجاب، كما أن شركات ماسك قدّمت إسهامات كبيرة في الإنترنت الفضائي والمركبات الكهربائية. لكن السرد القائل إن مستثمري سبيس إكس يكافئون فقط البراعة الهندسية هو سرد غير دقيق. فالسوق لم يراهن على التكنولوجيا المتقدمة أو حتى على شركة «أكبر من أن تفشل»، بل على فكرة احتكار ضخم تصبح فيه ثروة ونفوذ مالكه إلى درجة تجعل الحكومة الأمريكية غير قادرة على السماح بسقوطه. 

إن إدراك مدى ارتباط مكانة ماسك ارتباطًا وثيقًا بالدعم الحكومي أمرٌ بالغ الأهمية لفهم ومعالجة عدم المساواة في الثروة وليس في الولايات المتحدة فقط. وعلى مستوى ما، فإن ذلك يُعدّ نتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية وضعها رئيس أمريكي ملياردير. فقد شكّل «قانون One Big Beautiful Bill» الذي أُقرّ في عام 2025 في عهد دونالد ترامب أكبر عملية نقل للثروة من الطبقة العاملة إلى الأثرياء للغاية في التاريخ الحديث. كما أن الضمانات التي تحد من تغوّل الشركات، مثل «مكتب حماية المستهلك المالي”، باتت على وشك الانهيار. 

في دوره السابق كرئيس لـ«وزارة كفاءة الحكومة» تحت إدارة ترامب، قام ماسك بتفكيك وكالات حكومية وتقليص المساعدات الموجهة إلى أفقر شعوب العالم. وقد يؤدي ذلك إلى ما يُقدَّر بنحو 700 ألف وفاة سنويًا بحلول عام 2030. وفي المقابل، عززت الإدارة موقع ماسك عبر منح شركاته عقودًا جديدة، ووقف التحقيقات بحقها، وتخفيف اللوائح التنظيمية التي كانت تقيدها. 

والنتيجة هي تشابك خطير بين القطاعين العام والخاص، حيث باتت الدولة تعمل اعتمادًا على أجهزة وبيانات توفرها شركات ماسك. ويمكن النظر، على سبيل المثال، إلى مدى أهمية «ستارلينك» في ربط الحكومة الأمريكية باتصالات الأقمار الصناعية في المدار المنخفض حول الأرض. إن اعتماد الجيش الأمريكي والمنظومة الفضائية على إمبراطورية ماسك يعني وجود قدر كبير من النفوذ والقدرة على التأثير في الدولة نفسها. 

لكن هذا النوع من الاعتماد لا يُبنى بين ليلة وضحاها. فقد بلغت قوة ماسك ذروتها في عهد ترامب، لكنها كانت قد تَشكّلت عبر عقود. إن «تريليونير» هو في الواقع نتاج ثنائي الحزبية. فقد تمكن ماسك من الحصول على إعانات عامة مكّنته من تثبيت هيمنته السوقية، حيث تلقت شركاته ما يقارب 38 مليار دولار من عدة إدارات حكومية. على سبيل المثال، ساعد الرئيس باراك أوباما في بناء ما يبدو أنه «احتكار ماسك للفضاء». وقد اعتمدت نشأة واستمرار شركتي تسلا وسبيس إكس على دعم فيدرالي وعلى مستوى الولايات. لكن في حين تحمّل دافعو الضرائب في الولايات المتحدة المخاطر، لم يحصلوا على أي حصة ملكية أو تقاسم للأرباح أو ضمانات لخفض الأسعار. 

إن «صناعة» تريليونير تستدعي مواجهة مع واقع عدم المساواة الحاد. ينبغي على كل دولة أن تتعلم من الطريقة التي سمح بها النظام السياسي الأمريكي بصعود ماسك. ويشمل ذلك نظامًا ضريبيًا يميل لصالح الأثرياء، حيث لم تدفع شركتا تسلا وماسك تقريبًا أي ضرائب دخل فيدرالية لسنوات؛ ونظامًا لمكافحة الاحتكار سمح بأن يكون ثلثا الأقمار الصناعية النشطة حول الأرض تحت سيطرة ماسك؛ إضافة إلى قوانين تمويل الحملات الانتخابية التي هيأت الظروف لإنفاق ماسك ما يقارب 300 مليون دولار لدعم ترامب ومرشحين جمهوريين آخرين في انتخابات 2024. 

إن الإصلاحات الهيكلية المدعومة من الحكومة وحدها هي القادرة على تغيير المسار. ورغم أن قوة ماسك تستدعي بلا شك اهتمامًا جماعيًا، خصوصًا مع هوسه بقضايا العِرق ودعمه لبعض الشخصيات اليمينية المتطرفة، فإن مشكلة الأوليغارشية (حكم القلة الثرية) أكبر من شخص واحد. فنحن نعيش في عصر بائس يتميز بتركيز مفرط ومُفرِط للثروة والسلطة، حيث تسيطر حفنة من الشركات على تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، بينما تجني شركات عملاقة في قطاعات النفط والغاز والدفاع والتمويل أرباحًا قياسية من حروب تبدو بلا نهاية. 

يمكن للولايات المتحدة أن تستفيد من تاريخها الطويل في التعامل مع عدم المساواة الحاد والدفاع عن الديمقراطية. فقد أدت “العصر المذهب” في أواخر القرن التاسع عشر إلى إنشاء ضريبة الدخل. كما أُنشئ برنامج الضمان الاجتماعي، والحد الأدنى للأجور، وارتفعت معدلات ضريبة الدخل الأعلى إلى 94% في أعقاب الكساد العظيم والحرب العالمية الثانية. وفي العقود التي تلت ذلك، عملت الحكومة على دعم الطبقة الوسطى وكبح الاحتكارات. 

لكن سيكون من الخطأ التركيز على الإصلاحات داخل أمريكا فقط. فعدم المساواة في الثروة مشكلة يجب معالجتها في كل مكان. وفي عام 2026، تُظهر بعض الحكومات أن اتخاذ إجراءات ممكن، من خلال فرض ضرائب على الثروة إلى تطبيق الرعاية الصحية الشاملة، وخفض الأسعار، وتعزيز حقوق العمال. وهو مثال ينبغي أن تحتذي به دول أخرى. 

في أعقاب «صناعة» أول تريليونير مدعوم حكوميًا في العالم، لا يمكن التقليل من أهمية إعادة التفكير في النظام الاقتصادي الدولي المائل لصالح الأوليغارشية. فعلى الرغم من أن النقاشات العالمية غالبًا ما تركز على صراعات القوى الكبرى، فإن المشكلة الأكبر بكثير تكمن في أن القواعد متعددة الأطراف التي تحكم التعاون الدولي-في مجالات التجارة، وحقوق الملكية الفكرية، والضرائب، والديون- قد صُممت خلال العقود الأخيرة بطريقة تميل لصالح الأثرياء، وعلى حساب العمال في مختلف أنحاء العالم. كما أن دور إدارة ترامب في تفكيك النظام متعدد الأطراف الذي أسسته الولايات المتحدة ينبغي أن يدفع الدول الأخرى إلى ابتكار أشكال جديدة من التعاون. 

قبل قرابة قرن من الزمن، حذّر قاضي المحكمة العليا الأمريكية لويس دي. برانديز من أن على أمريكا أن تختار بين تركّز الثروة بشكل مفرط وبين الديمقراطية. وقد أصبح تحذيره اليوم أكثر إلحاحًا ووضوحًا للجميع. ويُعد ماسك دليلًا على ذلك. 

 نبيل أحمد مدير العدالة الاقتصادية والعرقية في منظمة «أوكسفام أمريكا». 

 خدمة بروجيكت سنديكيت