من ينافس الجامعة اليوم وغدًا؟

13 يونيو 2026
13 يونيو 2026

في الأسبوع المنصرم، كانت لي مداخلة في الندوة الوطنية التي نظمتها جامعة التقنية والعلوم التطبيقية حول «دور مؤسسات التعليم العالي في تحقيق المستهدفات الوطنية واستشراف المستقبل».

ركزت مداخلتي على المحركات المستقبلية التي يحتمل أنها سوف تغير شكل ودور ووظيفة أنظمة التعليم العالي خلال مدى 15 - 20 سنة القادمة؛ من ذلك المحركات النابعة من الاقتصاد وأسواق العمل وأسواق الطلب على المهارات، والمحركات التقنية المرتبطة بثورة تقنيات التعلم ومنصاته والذكاء الاصطناعي، والمحركات الإدارية والتنظيمية في شكل رسم سياسات التعليم العالي لتواكب نسقا سريع التغير، ومجتمعات متطلبة ومتحولة، واقتصادا ديناميكيا، أو إدارة مؤسسات التعليم من الداخل واستدامتها من ناحية محتوى التعلم، والتمويل، وحتى التحول الناشئ في طبيعة الحرم الجامعي.

ثمة أسئلة ملحة لا بد من مواجهتها اليوم، وعدم القفز عليها إذا ما أردنا تبين أي مستقبل للتعليم العالي نريد منها، وهل لدينا يقين باستدامة أنماط التمويل الحالية للتعليم العالي مع تشعب الوظائف المطلوبة من مؤسساته؟ فالجامعات كما يراد منها أن تخرّج طلبة مؤهلين بمهارات تتناسب والمتطلبات الوطنية، يراد لها أن تسهم في البحث وخدمة المجتمع والابتكار، وتحقيق المستهدفات الوطنية، بوصفها مؤسسات ضمن منظومة التحول الوطني المنشود.

في الجانب المقابل تفرض عليها ريادتها استقطاب أفضل الأكاديميين من أنحاء العالم، وتوفير أفضل مختبرات البحث والتجريب والابتكار وتمويله، إضافة إلى تصميم بيئات تعلم عالية الكفاءة وتنافسية لاستقطاب وجذب الطلبة والمواهب، عوضا عن الدور المنشود منها في تحريك مشهد براءات الاختراع وتبني تسويق أفكاره وتحويلها إلى منتجات تجارية واقتصادية.

وأمام كل ذلك يبرز سؤال التمويل بوصفه محددا رئيسيا أمام قدرة الجامعة على أداء كل هذه الأدوار.

على الجانب الآخر يبرز سؤال أدوات الجامعة نفسها؛ كيف تستطيع تغيير جلدها من الداخل، سواء في أدوات التعلم ومنصاته أو أدوات تسهيل الابتكار والبحث العلمي، أو القدرة على مواكبة مستجدات التقنية، وهنا يبرز سؤال جدلي: من يفترض أن يوجه الآخر في الوضع الأمثل: هل الجامعة بثقلها المعرفي وقدرتها على توجيه الطاقات البشرية، ومراكمة القدرات في المجالات المختلفة هي من تحدد شكل النماذج الاقتصادية وحالة الأسواق بثروتها البشرية والمعرفية، أم أنها متلقية للسياسات العامة، من بينها السياسات الاقتصادية، ومنفذة لها؟

هذا السؤال في تقديرنا هو الذي يفرض الجدلية الدائمة حول دور مؤسسات التعليم في مواكبة متطلبات سوق العمل.

لعقود، بل لقرون ربما، كانت الجامعة تنافس ذاتها؛ لكنها اليوم أمام عدد من المنافسين الصاعدين؛ هؤلاء يعيدون تعريف التعليم العالي من خارج حدوده التقليدية؛ أولهم المنصات الرقمية الكبرى مثل Coursera وغيرها التي تشير المصادر إلى أنها أصبحت تخدم اليوم أكثر من 220 مليون متعلم حول العالم في مختلف الاختصاصات والمجالات، بل صارت بعض المؤسسات تعتمد مساقاتها لتطوير كوادرها البشري ورسم مساراتهم المهنية، وطورت هذه المنصات نموذجها لتقديم محتوى من جامعات عالمية مرموقة مثل هارفارد ومعهد MIT. وفي الوقت نفسه، دخلت شركات التقنية الكبرى مثل Google و IBM وغيرها السباق ذاته، فأصبحت تشكل أكاديميات موازية أو منصات موازية للتأهيل المهني المباشر عبر شهادات قصيرة مرتبطة بالوظائف أو بالحرفة المراد التشغيل فيها أو الإحلال فيها. هذا المنافس الجديد يتموضع بشكل سريع هو الآخر في السباق، حيث تشير الدراسات إلى أن حوالي 70% من خريجي البرامج المرتبطة بهذه المنصات يجدون طريقهم للوظيفة خلال 6 أشهر كحد أقصى.

ومن المنافسين الصاعدين للنموذج التقليدي للجامعات نموذج الجامعات الافتراضية ـ وإن كانت اعتماداتها في بعض الدول غير مكتملة ـ.

في هذا النموذج لا حرم جامعي بصورته التقليدية، والتشغيل بالكامل يقوم على مبدأ الكفاءة والمرونة واستيعاب أعداد أكبر من الطلبة مقارنة بالحالة الحضورية.

في السياق ذاته يبرز نشوء الاعتمادات/ الشهادات المصغرة والمعسكرات التدريبية السريعة بوصفها بدائل عملية مركزة؛ إذ يثق بها 96% من أصحاب العمل حسب استطلاعات السوق لبعض المؤسسات، وينمو سوق المعسكرات التدريبية بمعدل يقارب 14% سنويا.

كل هذه المعطيات لا سبيل أمام أنظمة التعليم العالي سوى احتوائها داخل النظام، وإكسابه المرونة المعقولة ليتحرك ضمن أطرها بوضوح، مع الحفاظ على الحد الأمثل من الأعراف العلمية والأكاديمية، ووضع رهان الجودة بوصفه الاعتبار الأسمى لتصميم سياسات التعليم العالي.

في الحديث ذاته يتكرر هاجس منافسة وتأثير الذكاء الاصطناعي ـ هو هاجس واقع وحتمي ـ غير أنه مجرد محركات من مجموعة محركات كبرى.

ونعتقد أن التأثير الأكبر للذكاء الاصطناعي ليس في استبدال أدوات التعلم والقائمين به؛ بل في أنه يعيد تعريف ما الذي يجب تعلمه. وعلينا ألا نغفل – إذا ما أردنا تصميم سياسات تعليم عال ناجعة للمستقبل – التحول في ذهنية وقابلية وشخصية واستعداد المتعلمين أنفسهم.

تشير إحدى التجارب التي طُبقت على مجموعة عالمية من الطلبة في نتائجها إلى أن 45% من الطلبة أفادوا بأنهم يشعرون بالتوتر أو القلق عندما لا تكون أجهزتهم الرقمية قريبة منهم، كما أشار نحو 65% إلى أنهم يتشتتون باستخدام الأجهزة الرقمية في دروس الرياضيات، و59% يتشتتون بسبب استخدام زملائهم لها.

هذه مؤشرات مهمة على العلاقة الوطيدة التي تنشأ بين المتعلم ووسائط التعلم، كما أن عوامل أخرى مثل مدى الانتباه وحدود مدى التركيز، والقابلية والجاذبية تجاه المعرفة، لم تعد عوامل هامشية، بل أساس لتشكيل نظم التعلم نفسها.

على المستوى المحلي نرى ثلاثة استحقاقات مهمة؛ أولها دراسة مُكنة إتاحة جزء من اللامركزية لمؤسسات التعليم العالي لتجريب أنماط جديدة من المحركات التي تعتمل داخل نظم التعليم العالي ومستقبله، وثانيا الرهان على خلق الشبكات والتحالفات داخل النظام نفسه وبين الجامعات والكليات ذاتها؛ التحالف في تقديم تخصصات بعينها، أو تجربة برامج معينة، أو توحيد التمويل البحثي لمشروعات بحثية بعينها، أو فكرة أن يقدم البرنامج التأسيسي ضمن جامعة واحدة ويتخرج بعدها الطلبة إلى مساراتهم الأكاديمية في الجامعات والكليات المختلفة.

مثل هذه التحالفات من شأنها أيضا أن تخلق الهاجس والحس والتحرك للريادة الجمعية، واستيعاب متغيرات المستقبل.

أما على المستوى الاستراتيجي فالحاجة ماسة إلى التفكير في نموذج العقد البحثية والابتكارية والأكاديمية؛ من خلال تلك الجامعات أو الكليات أو المعاهد التي ترتبط بشكل مباشر أكاديميا وبحثيا وتدريبيا وابتكاريا بالمؤسسات الاقتصادية الخاصة أو المناطق الحرة أو الموانئ ومناطق الإنتاج الاقتصادي الكبرى لتخلق عقدا اقتصادية منتجة وفاعلة لمستقبلها ومستقبل البلد.

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان