أكاذيب الرؤساء.. وتحولات الصحافة
04 أغسطس 2026
04 أغسطس 2026
عندما بدأت العمل في الصحافة، كان تصريح رئيس الدولة أو رئيس الوزراء يُعامل بوصفه خبرًا مهمًا في ذاته. وقتها كانت مهمة الصحفي أن ينقل ما يقوله الرئيس بدقة، ويضعه في سياقه، ويبحث عما يترتب عليه من قرارات ومواقف. ونادرًا ما كان العمل الصحفي يبدأ بالسؤال عن صحة ما قاله الرئيس؛ إذ ساد افتراض مهني يرى أن تصريحات الرؤساء جديرة بالثقة.
تغيرت هذه المسلمات كثيرًا مع ظهور دونالد ترامب على المسرح السياسي في الولايات المتحدة. ففي ولايته الأولى، بدأت صحيفة «واشنطن بوست»، من خلال مشروع «مدقق الحقائق»، إنشاء قاعدة بيانات لمتابعة تصريحاته، في ظل ما تضمنته من تناقضات وادعاءات متكررة، وانتهت إلى توثيق 30.573 ادعاءً كاذبًا أو مضللًا حتى مغادرته البيت الأبيض في يناير 2021.
ومع عودته إلى الرئاسة، واصلت الصحيفة ومؤسسات إعلامية أخرى تدقيق خطبه، وأشارت شبكة «سي إن إن» إلى أن الأيام المائة الأولى من ولايته الثانية شهدت استمرار النمط نفسه من الادعاءات غير الدقيقة الذي ميز ولايته الأولى.
تكشف هذه الأرقام تحولًا عميقًا في العلاقة بين السياسة والإعلام. فقد أضافت الصحافة إلى مهامها التقليدية مهمة جديدة، هي التحقق من صحة تصريحات الرؤساء والمسؤولين قبل تحليلها وتفسيرها. ومن هنا برز سؤال لم يكن مألوفًا في غرف الأخبار: هل ما يقوله كبار المسؤولين صحيح أصلًا؟
ولا تمثل تجربة ترامب سوى المثال الأكثر توثيقًا لهذه الظاهرة. فقد خضعت تصريحات عدد من قادة العالم، من فلاديمير بوتين إلى بنيامين نتنياهو، مرورًا برؤساء دول وحكومات في أوروبا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، لعمليات تدقيق واسعة أجرتها مؤسسات إعلامية مستقلة. ولذلك أصبح التحقق من صحة تصريحات القادة جزءًا من التغطية اليومية في كثير من وسائل الإعلام الكبرى، في تطور يعكس تغيرًا جوهريًا في العلاقة بين السلطة السياسية والحقيقة. وقد ساعدت البيئة الرقمية على ترسيخ هذا الواقع، بفضل سرعة تداول المحتوى، والاستقطاب السياسي، واستعداد قطاعات من الجمهور لتصديق الروايات التي تنسجم مع قناعاتها المسبقة. وأصبح التضليل، في بعض الحالات، جزءًا من أدوات الاتصال السياسي، متجاوزًا حدود الخطأ العابر أو زلة اللسان في خطاب المسؤول.
واقع الحال أن الكذب السياسي أقدم من الصحافة نفسها، وربما يضرب بجذوره في تاريخ السياسة منذ نشأة الدول الأولى. لذلك لم تولد هذه الظاهرة مع وسائل التواصل الاجتماعي ولا مع الثورة الرقمية. فقد عرف التاريخ الحديث أمثلة تركت آثارًا عميقة، من حادثة خليج تونكين التي مهدت لتوسيع الحرب الأمريكية في فيتنام، إلى الادعاءات الزائفة المتعلقة بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل عام 2003، وهي روايات أسهمت في تهيئة الرأي العام لقرارات سياسية وعسكرية تبين لاحقًا أنها استندت إلى معلومات غير صحيحة أو غير مثبتة.
ولا تفسر طبيعة المنصات الرقمية وحدها قوة الادعاءات الكاذبة المتكررة، فالعقل البشري نفسه يؤدي دورًا مهمًا في ذلك. وأظهرت دراسات في علم النفس المعرفي وعلوم الاتصال أن تكرار نشر المعلومة الكاذبة قد يزيد شعور المتلقي بصدقها، حتى عندما لا يقدم التكرار دليلًا جديدًا. ويعرف الباحثون هذه الظاهرة باسم «تأثير الحقيقة الوهمية»، إذ تجعل الألفة الناتجة عن التكرار المعلومة أسهل في المعالجة الذهنية، ومن ثم أكثر قابلية للتصديق لدى بعض المتلقين. ولهذا يستطيع السياسي أن يفرض روايته على النقاش العام بمجرد تكرارها. ويمنح ذلك الرواية حضورًا أطول في المجال العام، حتى عندما يكون الهدف من تداولها إثبات عدم صحتها.
وتضاعف الخوارزميات هذا الأثر؛ لأن كثيرًا من أنظمة التوصية تتعامل مع التفاعل بوصفه مؤشرًا إلى أهمية المحتوى. وقد يؤدي التعليق أو إعادة النشر بقصد النقد أو التفنيد إلى توسيع دائرة انتشار الادعاء الكاذب، في مفارقة لم تعرفها وسائل الإعلام التقليدية، التي كانت تملك بوابات تحريرية تحدد ما يستحق النشر. وأضاف الذكاء الاصطناعي التوليدي مستوى جديدًا من التعقيد إلى ظاهرة الكذب السياسي. فقد وسّع نطاق أدوات التضليل، وأتاح إنتاج صور وتسجيلات صوتية ومقاطع فيديو تبدو شديدة الواقعية، ويصعب تمييزها عن المواد الحقيقية. وتنتشر هذه المواد بسرعة كبيرة عبر المنصات الرقمية، في حين تتطلب عملية التحقق منها وقتًا وجهدًا وخبرة تقنية.
وأعاد هذا التطور تشكيل الممارسة الصحفية، فاتسع نطاق العمل ليشمل مراجعة النصوص والأرقام، وفحص الصور والتسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو، ومقارنتها بالمصادر الأصلية، والاستعانة بأدوات تقنية متخصصة لكشف التزييف. وأصبحت عملية التحقق جزءًا أصيلًا من النشر، واكتسب الصحفي مهارات جديدة، تشمل مراجعة قواعد البيانات، وتتبع المصادر الرقمية، وتحليل المحتوى البصري، وفهم آليات عمل المنصات والخوارزميات. وهكذا غدت حماية الحقيقة مسؤولية تتطلب تكامل الخبرة الصحفية مع الكفاءة التقنية في مواجهة أدوات تضليل تتطور باستمرار.
لم يكن من قبيل المصادفة أن تنتشر خلال العقدين الأخيرين وحدات متخصصة في التحقق من صحة المعلومات داخل مؤسسات إعلامية كبرى، مثل «رويترز للتحقق من الحقائق» و«فرانس برس للتحقق من الحقائق»، إلى جانب منصات مستقلة مثل «بوليتي فاكت» الأمريكية و«فول فاكت» البريطانية. فقد فرض انتشار الكذب السياسي واتساع نطاقه وتعقيد أدواته حاجة متزايدة إلى مؤسسات تتولى التحقق من الوقائع قبل أن تستقر في الوعي العام، أو تتحول إلى أساس لقرارات سياسية ومواقف جماهيرية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الصحافة في كشف الادعاءات الكاذبة، فإن تأثير التصحيحات يظل محدودًا في كثير من الأحيان، لكونها تصل إلى جمهور أقل عددًا، أو إلى جمهور يختلف عن ذلك الذي تلقى الادعاء الزائف الأصلي. ويستغرق التحقق وقتًا يفرضه جمع الأدلة ومراجعة المصادر والتثبت من الوقائع، وهي خطوات تسبق النشر وتمنحه مصداقيته، في وقت تكون فيه الرواية المضللة قد قطعت شوطًا واسعًا في الانتشار.
وقد أسهم بعض السياسيين في تعميق هذه الأزمة من خلال مهاجمة وسائل الإعلام ومؤسسات التحقق كلما نشرت معلومات تناقض رواياتهم. ومع تكرار هذه الهجمات، ترسخ التشكيك في المؤسسات الإعلامية داخل الخطاب السياسي، وامتد أثره إلى قطاعات من الجمهور، فأصبحت قطاعات من الجمهور تستقبل التصحيحات من منظور سياسي، وتتراجع لديها قيمة ما تستند إليه من أدلة ووثائق ومعايير مهنية.
وهكذا تجد الصحافة نفسها أمام اختبار غير مسبوق. فهي تعمل في بيئة إعلامية يغمرها التدفق المستمر للمعلومات، وتتداخل فيها الوقائع مع الشائعات والتفسيرات والانطباعات، في وقت تتزايد فيه سرعة إنتاج المحتوى وتداوله. ورغم ما تمتلكه من أدوات متقدمة للتحقق، فإن التحدي الأكبر يتمثل في ترسيخ الوقائع داخل المجال العام، ومنح الحقيقة فرصة للوصول إلى الجمهور قبل أن تستقر الروايات المضللة في العقل الجمعي.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أن الكذب السياسي يكتسب نفوذًا متزايدًا كلما تأخر التصحيح. وخلال الوقت الذي تقتضيه المعايير المهنية للتحقق، تكون الرواية المضللة قد وجدت طريقها إلى جمهور واسع، ورسخت حضورها في النقاش العام، وربما تحولت إلى موقف سياسي يصعب تغييره.
أخشى أن نكون أمام مرحلة يتزايد فيها نفوذ الادعاءات السياسية الكاذبة، وتتسع قدرتها على تشكيل الرأي العام. ويضاعف ذلك مسؤولية الصحافة في البحث عن الوقائع، والتحقق من الأدلة، ومراجعة المصادر، وترسيخ ثقافة التثبت. فالحقيقة ليست أقوى الأصوات بالضرورة، لكنها تبقى الأساس الذي تقوم عليه ثقة المجتمع في الإعلام ومؤسساته.
