النظام الدولي بين تعدد الأقطاب وتآكل الإمبراطورية الأمريكية

04 أغسطس 2026
04 أغسطس 2026

الحرب الحالية بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي وتحولت الآن إلى حرب استنزاف وصراع الجغرافيا والاقتصاد حيث معركة مضيق هرمز الاستراتيجية، سوف تكون لها نتائج حاسمة وكبيرة بعد انتهاء الحرب والوصول إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، من خلال المفاوضات وجهود الوسطاء ومن بينهم سلطنة عمان ذات الخبرة التراكمية في الملف النووي الإيراني لأكثر من عقدين والذي انتهى بنجاح الدبلوماسية العمانية في التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني عام ٢٠١٥.

هذا الاتفاق كان يقيد التخصيب الإيراني لأقل من ٤ المائة مع تفتيش دوري على المفاعلات الإيرانية من قبل وكالة الطاقة الدولية، وكان مضيق هرمز مفتوحا أمام حركة الملاحة البحرية والتجارة الدولية. غير أن انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي ترامب من الاتفاق عام ٢٠١٨ جاء بكارثة سياسية واقتصادية للعالم، رأينا مشاهدها وكوارثها خلال الستة اشهر الماضية، وأصبحت منطقة الخليج العربي في مأزق كبير بين الضغوط الأمريكية والتهديد الإيراني في حال اشتعال الحرب الشاملة.

تحدثت في مقال سابق عن أهمية أخذ العبر والدروس من نتائج الحرب، خاصة على صعيد الحماية الأمريكية وبقاء القواعد العسكرية، علاوة على أهمية إيجاد منظومة أمنية للدول الثماني المشاطئة للخليج العربي ومضيق هرمز، وهي دول مجلس التعاون الخليجي وإيران والعراق وربما لاحقا اليمن بعد انتهاء المشكلات فيها.

إن الحرب الأمريكية الإيرانية ستخلق عالما مختلفا ليس فقط على صعيد الشرق الأوسط وإنما على صعيد ملامح النظام الدولي الجديد، بعيدا عن الأحادية الأمريكية التي دخلت في مرحلة التآكل والانحدار على ضوء الدراسات الاستراتيجية الأمريكية والغربية، بالدخول في الحروب والصراعات الإقليمية والتي عادة ما تضعف الإمبراطوريات، كما حدث في حرب السويس عام ١٩٥٦ فيما يخص الإمبراطورية البريطانية والتي تهاوت في أقل من عقدين.

وفي تصوري أن الإمبراطورية الأمريكية في طريقها إلى التآكل كقوة عالمية وحيدة تسيطر على القرار الدولي، فالعالم يحتاج إلى نظام متعدد الأقطاب يقوم على سمات قانونية وأخلاقية، بعيدا عن شن الحروب والصراعات الإقليمية وإيجاد حلول للقضايا المختلفة وحل المشكلات بالطرق السلمية، وأن تكون الدبلوماسية هي الإطار الصحيح نحو الوصول إلى توافق سياسي.

وقد تفتح الحرب الحالية بين واشنطن وطهران الطريق نحو ظهور ملامح النظام الدولي الجديد، الذي يتطلع له العالم بعيدا عن الهيمنة الأمريكية بعد أن فشلت في قيادة العالم نحو السلام والاستقرار منذ عام ١٩٩١ مع تفكك الاتحاد السوفييتي السابق وانهيار الإمبراطورية السوفييتية بسبب الحرب الكارثية في أفغانستان والتي تواصلت على مدى عشر سنوات وتحديدا من عام ١٩٧٩ وحتى الانسحاب عام ١٩٨٩. وكان للتدخل السوفييتي في أفغانستان تداعيات كبيرة علي الاقتصاد والقدرات العسكرية، وهو الحال نفسه الذي تعاني منه الولايات المتحدة الأمريكية وإن كان بدرجات متفاوتة، أي أن الولايات المتحدة الأمريكية تكرر نفس الأخطاء الاستراتيجية التي خططت لها الاستخبارات الأمريكية لإسقاط الاتحاد السوفييتي.

وكما يقال ما أشبه اليوم بالبارحة، حيث تؤكد التقارير الاستراتيجية من قبل عدد من القيادات العسكرية الأمريكية بأن واشنطن تعاني من نقص مخزون الصواريخ. كما أن تحقيق أهداف الحرب ضد إيران أصبح من المستحيل تحقيقها، وأن شن الحرب ضد إيران كان مخطط من قبل الموساد الإسرائيلي وثبت أنه فاشل.

في تاريخ الأمم والشعوب تظهر قيادات بالصدفة أو لعوامل اقتصادية أو شعبية تؤدي إلى سقوط الإمبراطوريات لأسباب تتعلق بالغرور والسيطرة والنفوذ لتكون النتائج كارثية.

وستتضح نتائج الحرب الأمريكية الإيرانية بعد وقف الحرب، حيث ستحدث تحولات سياسية واستراتيجية كبيرة على منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط عموما، وتغييرات على صعيد السياسة الدولية، وربما تكون فترة ما بعد الرئيس الأمريكي الحالي ترامب هي النقطة الفاصلة في حدوث التغيير والانتقال إلى عالم مختلف تسوده لغة مختلفة بعيدا عن الحروب والصراعات والقوة الصلبة وبروز لغة الديبلوماسية والحوار، وهو الأمر الذي يحتاجه العالم للحفاظ على الأمن والاستقرار والحفاظ على مقدرات الشعوب والأجيال وازدهار الأوطان.

فقد كانت منطقة الخليج العربي على سبيل المثال واحة للسلام والاستقرار بين دول المنطقة على ضفتي الخليج العربي على مدى قرون، حيث التجارة والتواصل بين الشعوب.

ومن هنا فإنه من الأهمية الرجوع إلى الحوار الإيجابي بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي وترميم تلك العلاقة التي سببتها الحرب، ولم تكن حرب دول المنطقة بل حرض على إشعالها نتنياهو وحكومته المتطرفة.

إن الخطوة الأهم الآن هي إيقاف خطر اندلاع حرب شاملة والعودة إلى المفاوضات، وتبذل سلطنة عمان جهودا كبيرة من قبل جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - من خلال اتصالاته مع قيادات العالم، إلى جانب ما تقوم به وزارة الخارجية من خلال الجهود الدبلوماسية المتواصلة لمعالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي مع نظرائه في الدول الشقيقة والصديقة لاحتواء التصعيد والحرص على الوصول إلى توافق سياسي بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بتنفيذ مذكرة التفاهم وإطلاق المفاوضات للوصول إلى الاتفاق النووي الإيراني.

العالم يحتاج إلى مقاربة سياسية مختلفة تقوم على التعددية في النظام الدولي وأن تلعب الأمم المتحدة دورا محوريا في الحفاظ على السلام والأمن على ضوء ميثاقها والذي تراجع كثيرا وأصبح النظام الدولي الأحادي عقبة كبيرة أمام السلام العالمي، ومن هنا فإن العالم يترقب أولا إنهاء الصراع الأمريكي الإيراني وبعد ذلك سوف تأتي التغييرات كحالة واقعية لا مفر منها، حيث إن الإمبراطورية الأمريكية تشهد تحولات، وإن كانت في خطواتها الأولى.

وستشهد السنوات القادمة تحولات اجتماعية يقودها الجيل الجديد وسوف تظهر تحولات في الفكر الأمريكي بعيدا عن النفوذ والحروب والسيطرة والمشاركة كدولة فاعلة في إطار منظومة دولية متعددة الأقطاب، حيث وجود القوى الصاعدة في عالم اليوم كالصين وروسيا الاتحادية والبرازيل والهند واليابان وغيرها من الدول. وأن يستند العالم في حل الصراعات إلى آليات سلمية وديبلوماسية بعيدا عن لغة القوة والتدمير وإلحاق الضرر بمصالح الدول والشعوب.

عوض بن سعيد باقوير صحفي وكاتب سياسي وعضو مجلس الدولة