على أوروبا أن تستحدث «طريقتها الخاصة في الحرب»

04 أغسطس 2026
04 أغسطس 2026

ترجمة: أحمد شافعي

كيف يتسنى لأوروبا أن تدافع عن نفسها أمام روسيا في غياب الولايات المتحدة، أو بقدر ضئيل للغاية من حضورها؟ يوجز هذا السؤال التحدي الوجودي الذي يواجه القارة الآن.

تبدأ مطامح روسيا الإمبريالية بأوكرانيا، ولكنها لا تنتهي فيها. فهجمات موسكو الهجينية، وتدخلها السياسي دعما لأحزاب موالية لها، وتهديداتها العسكرية ـ ومنها مناورة بالذخيرة الحية لسفينة حربية على بعد خمسة وأربعين كيلومترا من المملكة المتحدة ـ تشير جميعا إلى اتجاه واحد وهو أنه لا يمكن استبعاد نشوب حرب فعلية للدفاع عن أنفسنا ضد روسيا خلال الشهور أو السنين القادمة، ولهذا السبب ترتفع ميزانيات الدفاع في أرجاء أوروبا جميعا، وبخاصة في البلاد القريبة من خط المواجهة.

تسارع الإنفاق الدفاعي منذ أن رجع دونالد ترامب إلى السلطة، وليس السبب الأكبر في هذا هو سخرية ترامب وإهاناته ـ التي تمتد الآن لتشمل قادة اليمين المتطرف الأوروبيين من أمثال جورجيا ميلوني ـ وإنما لأن الأوروبيين أنفسهم يفيقون على واقع أنه في حال نشوب حرب مع روسيا فإن الولايات المتحدة قد لا تكون حاضرة في صفوفهم. وفي حين أن المظلة النووية الأمريكية قد تبقى قائمة ـ برغم أن فرنسا أطلقت مبادرة لأوربة الرادع النووي في حال انسحاب هذه المظلة ـ فإن الحكومات والمؤسسات الأوروبية تدرس احتمالية اضطرار القارة إلى محاربة روسيا بدون دعم القوات التقليدية الأمريكية أو بقدر ضئيل منه.

وهذا يفسر ظهور ما يطلق عليه بشكل غير رسمي (نسخة الناتو الثالثة). ففي قمة الناتو بأنقرة قبل أسابيع قليلة، بدأ الحديث جليلا في هذا الأمر، وذلك جزئيا من أجل استرضاء ترامب، ومن ناحية أخرى إشارة إلى فلاديمير بوتين بأنه حتى في حال انسحاب الولايات المتحدة إلى مقعد متأخر، فإن الناتو بنسخته المتأوربة يبقى ذا مصداقية. والشعار الذي يستعمله أنصار هذا التوجه هو «أوروبا أقوى في ناتو أقوى»، وهو شعار مضلل. صحيح أن الأوروبيين سوف يصبحون أقوى عسكريا، ولكن مع انفكاك الولايات المتحدة، سوف يضعف الناتو إجمالا. ويبقى العمل على أوروبة الناتو منطقيا، حتى في حال ضعف الحلف على النحو المطلق، لأنه قد يبقى على قدر من القوة يتيح له الوقوف في وجه تقدم روسيا.

ولكن هنا يكمن السبب في أن علينا التحلي بالحذر والعمل على بدائل في الوقت نفسه. ولنضرب مثلا بأسوأ السيناريوهات المحتملة إذ تهاجم روسيا بلدا من أعضاء الناتو خلال الشهور أو السنوات القادمة. من المرجح أن يهب حلفاء هذا البلد من أعضاء الناتو لإنقاذه. ومن المرجح أن تقف بلاد شرق وشمال أوروبا بجانب بعضها بعضا بطبيعة الحال. بل إنه يقال إن ألمانيا قد وثبت الوثبة الثقافية والنفسية إذ اعترفت بأن قواتها قد تضطر إلى محاربة الروس من جديد. ودليل ذلك خططها لنشر لواء قوي دائم من خمسة آلاف فرد في ليتوانيا.

ولو ردت ألمانيا، فمن المرجح للغاية أن تنضم فرنسا والمملكة المتحدة. وفي حال اشتراك هذه الدول المركزية الثلاث، فسوف تتبعها إيطاليا وأسبانيا. والخبر السعيد هو أن الأوروبيين على الأرجح سوف يبقون متحدين. لكن الخبر التعيس هو أن الولايات المتحدة قد لا تستجيب لطلب الدفاع عن أوروبا، فيؤدي هذا على الفور إلى كسر الناتو. فالعهد الأساسي في معاهدة الناتو التأسيسية ـ أي المادة الخامسة ـ ينص على أن الهجوم على إحدى الدول الأعضاء في الناتو هو هجوم على جميع الأعضاء. ولن تتغير طبيعة الانهيار سواء أنجم عن تفعيل صريح للمادة الخامسة لا تستجيب له الولايات المتحدة أم نجم عن عدم تفعيل المادة تحسبا لهذه النتيجة.

وثمة سيناريو ثان أقل كارثية إذ لا يقع استفزاز روسي، ويتحرك الناتو بنسخته الثالثة بجدية، وفي غضون سنوات قليلة يصبح شكل الحلف مختلفا تمام الاختلاف عما يبدو عليه اليوم وقد بات الأوروبيون ـ مع كل من تركيا وكندا ـ يتحملون نصيب الأسد من أعبائه. لكن في حال احتمال حلفاء غير الولايات المتحدة القدر الأكبر من المسئوليات، فإنهم سوف يرغبون في نيل القدر الأكبر من الحقوق. وسوف تكون أسواق الدفاع في أوروبا أقل انفتاحا على شركات الولايات المتحدة، وسوف تبدأ أولويات الناتو في عكس المصالح الأوروبية، ومن المؤكد أن الأوروبيين لن يسعدوا بالسماح للولايات المتحدة بإصدار الأوامر على أن يكتفوا هم بتنفيذها. لكن من الصعب أن نتخيل أي إدارة أمريكية، ناهيكم بإدارة على رأسها دونالد ترامب، وهي تتخلى عن هذه الحقوق والفوائد.

منذ تأسيس الحلف في عام 1949، انتظم الناتو حول قدرات الولايات المتحدة وتقنياتها وثقافتها الاستراتيجية. واندمج الأوروبيون في هيكل القيادة الأمريكية وتبنوا طريقة الولايات المتحدة في الحرب. وهم يفتقرون إلى القدرات، والعناصر البشرية، وهيكل القيادة، وكل ذلك متوافر لدى الولايات المتحدة. وإذا تحتم عليهم التعامل مع عدوان مسلح في المستقبل القريب فإنهم لن يستطيعوا استنساخ نموذج الناتو. وسوف يضعون بطريقة أو بأخرى بدائل ـ لكن مع بقاء الولايات المتحدة رسميا داخل الناتو وإن بقدر أقل من الالتزام ـ وقد لا يحدث هذا داخل التحالف نفسه.

وليس من البدائل ما هو مثالي. يقوم الاتحاد الأوروبي بعمل مهم في تعاون الصناعة الدفاعية بل إن في معاهداته بندا يتعلق بتبادل التعاون، لكن بسبب نطاق من القيود الدستورية والسياسية، لا أعتقد أنه يمثل مسارا مجديا للتقدم على طريق الدفاع.

يتركنا هذا لما يعرف بـ «تحالفات الراغبين»، وهي فكرة ذات تاريخ إشكالي تعاود الظهور في الوقت الراهن. لقد قادت الولايات المتحدة تحالفات سابقة من هذا النوع حينما أرادت تجاوز الهياكل الرسمية متعددة الأطراف من قبيل الأمم المتحدة. وأشهر مثال لهذا هو التحالف أمريكي القيادة الذي قام بغزو العراق في عام 2003 دونما تفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وفي انتهاك صارخ للقانون الدولي.

واليوم تشكلت تحالفات الراغبين حول نقاط توتر أمنية حرجة من قبيل أوكرانيا وجرينلاند ومضيق هرمز. وكشأنها في الماضي، فإن تأسيسها يقوم على دافع من أن المنظمات القائمة ـ من قبيل الأمم المتحدة والناتو والاتحاد الأوروبي ـ أبدت عجزها عن التعامل الفعال مع هذه التحديات من تلقاء نفسها. ومن المثير في هذه المرة أن الفاعلين ليسوا بقيادة أمريكية ولا هم يستهدفون تجاوز القانون الدولي، لكنهم بقيادة أوروبية ويرغبون في تجاوز واشنطن، ويستهدفون على وجه التحديد تأكيد العمل الأوروبي الجماعي في قضايا أمنية محورية تتوافق مع القانون الدولي.

غير أن تحالفات الراغبين بطبيعتها مؤقتة، وتفتقر إلى نظام لاتخاذ القرار السياسي الاستراتيجي وإلى تسلسل قيادي للعمليات. وفي حين أن جيوش البلاد المشاركة تلتقي الآن دوريا لوضع خطط مشتركة، تفتقر هذه التحالفات إلى الدوام اللازم لإقامة طريقة أوروبية للحرب، وضمان التزامها المستمر بالقانون الدولي، وبث إحساس حقيقي بالثقة لدى الشعوب. وسوف يكون من المهم مأسسة مثل هذه التحالفات على المستوى السياسي. وسيكون أحد الخيارات هو أن يتم ذلك من خلال مجلس أمن أوروبي، وهذه فكرة ولدت في غداة البريكست للحفاظ على استمرار المملكة المتحدة مشاركة في القرارات الأمنية الأوروبية. وتظهر الفكرة مجددا الآن لاستنباط طرق للأوروبيين كي يعالجوا أمن القارة.

ولا ينبغي لشيء من هذا أن يقلل من أولوية أوربة الناتو، لكن تحالفات الراغبين قد تكون سياسة ضمان مهمة، إذا ما تعثرت نسخة الناتو الثالثة وفشلت.

نتالي توتشي من كتاب الرأي في صحيفة ذي جارديان.