No Image
المحافظات

عودة قطار الحياة إلى حارة «النزار» الأثرية

02 يونيو 2026
02 يونيو 2026

استطلاع - فاطمة الحديدي 

تتربع قرية «النزار» في ولاية إزكي وسط طبيعة ساحرة، لتبقى شاهدًا صامتًا وبليغًا على عبقرية الإنسان العُماني وعلاقته الأزلية بالأرض والتاريخ. وتبدو حارتها القديمة، ببيوتها الأثرية ذات الطابقين وتصاميمها الهندسية المتقنة، شواهد حية تطل بكبرياء على ضفاف «وادي حلفين»، أحد أطول الأودية في سلطنة عُمان وأكثرها هيبة وجمالًا؛ حيث تتناغم ملامح العمارة التقليدية مع البيئة الطبيعية في مشهد يعكس أصالة المكان وعراقته.

وتحمل هذه الحارة التاريخية في طياتها ملامح هوية ضاربة في عمق التاريخ العدناني؛ إذ سُميت بهذا الاسم نسبة إلى القبائل النزارية المنحدرة من «نزار بن معد بن عدنان». وكان «بنو سامة»، المعروفون اليوم بقبيلة «العزري»، من أوائل من سكنوا الحارة؛ حيث خطوا أولى عتبات هذا المكان وأسهموا في صناعة مجده المعماري والاجتماعي عبر القرون.

وتحوي الحارة سورًا أثريًا يبلغ عرضه خمسة أمتار، شُيّد بعناية ليكون حصنًا دفاعيًا يحمي السكان، إلى جانب عدد من المساجد الأثرية التي لا تزال شاهدة على الإرث الديني والعلمي للمنطقة، ومن أبرزها «مسجد الحواري»، الذي سُمّي نسبة إلى الشيخ العلامة أبو محمد الفضل بن الحواري الأزكوي أحد أشهر علماء إزكي الذين عُرفوا بالعلم والفقه.

وذكر الباحث سيف بن مهنا الريامي في كتابه «حارة على ضفاف وادي حلفين» عن حارة النزار، فقال: «حارة النزار الأثرية يحيط بها سور متين التشييد، مبني بالحجارة والطين، ويمتد قرابة كيلومترين أو يزيد، وبه خمس بوابات، أو ما تُعرف باسم (الصباح)، وستة أبراج تقع على كل زاوية من زوايا سورها لتغطي كل الاتجاهات، باعتباره تحصينًا دفاعيًا محكم التشييد، ناهيك عن الأبراج المنتشرة على الواحات الخضراء، والتي من أهمها برج المغرب، وبرج الشياطين، وبرج النطالة، وبرج الوسطى، وبرج العتب، بحيث توفر مجالًا لتبادل الرؤية من كل اتجاه، فتسهل طريقة الإبلاغ والإنذار عن أي خطر يهدد أمن الحارة، فيشعر الأهالي بالأمان والسكينة والاطمئنان».

وأضاف: «كانت تلك البوابات والأبراج ذات بنيان متين وارتفاع عالٍ، ومن أبرزها «صباح قلعة السوق» لضخامة هذه البوابة، والتي تقع مقابل حصن إزكي من جهة الشمال، والآخر هو «صباح الشارع» من جهة الجنوب للحارة، بالإضافة إلى «صباح الرحبة» ذي الباب الخشبي المميز بنقوشه وكتاباته، وما يتمتع به هذا المدخل الأنيق من رحابة في الساحة وجمال في التصميم، إلى جانب «صباح البعو» و«صباح الرسة».

وقال يوسف الراشدي عضو اللجنة بقرية النزار: «توجد في الحارة طاولة مسطحة وعريضة، كانت تُستخدم للمناداة وتبادل الأخبار بين سكان الحارة، وتسمى «دكانة بلاريات». واللارية عملة قديمة من بلاد فارس كان سكان القرية يتداولونها في القرن العاشر الميلادي. وتُعد هذه الجلسة معلمًا أثريًّا موثقًا في الكتب ومسجلًا لدى وزارة التراث والسياحة، وقد جرى مؤخرًا ترميمها والحفاظ عليها من الاندثار، ضمن الجهود الرامية إلى صون الموروث الثقافي والتاريخي للحارة».

عين المغبة وقصة التسمية

وتحوي الحارة «بئر المغبة»، التي تُعد مصدرًا مائيًّا عذبًا يغذي مساحات شاسعة من المزارع، وتعد من الآبار الارتوازية العريضة التي تغذيها عيون المياه الجوفية بقرية النزار في ولاية إزكي. ويبلغ عمق البئر حوالي ستة عشر مترًا، أما عرضه فيبلغ عشرين مترًا، وتستقبل السياح المقيمين والأجانب، كما تُعد منطقة استجمام للزوار للاستمتاع بالمنظر الطبيعي المحيط بالبئر وقضاء أوقات الاسترخاء فيها. ويسبح فيها أهل القرية والمستكشفون للمكان، بالإضافة إلى ممارسة الغوص في عمق العين بغرض الاستكشاف، ويُعد بئر المغبة ثاني مصدر يغذي ولاية إزكي بعد فلج المالكي المشهور بها.

وسُميت «عين المغبة» بهذا الاسم -بحسب الروايات المحلية- نسبة إلى قصة غياب أو اختفاء محمد بن بور (أو بوير) وجنوده عنها؛ حيث حاول أثناء غزوه للقرية ردم أفلاج وعيون المنطقة، إلا أنه عجز عن ردم هذه العين تحديدًا، وكان يغيب «يختفي» عن الأنظار. وذكرت الروايات أن محمد بن بور، عندما وصل إلى إزكي، ردم فلج الملكي وكبسه بالحيوانات والتراب، ودمر الأفلاج والعيون، ولما همّ بردم عين المغبة، كان يصعد إلى جبل قريب ليحدد موقع العين وينظر إليها، وعندما ينزل يضيع بين الحارات وبيوت الطين، فعجز عن ردمها، فجرى تسميتها بعين المغبة.

مشروع البدايات في حارة النزار

قال يعقوب بن يوسف السرحني صاحب مقهى «أفناء» بحارة النزار: «جاءت فكرة المشروع بهدف إحياء حارة النزار الأثرية وجعلها وجهة سياحية وثقافية مميزة، من خلال تقديم تجربة تجمع بين الأصالة والضيافة العصرية، وجعل «أفناء» نقطة انطلاق لتجربة سياحية ثرية تعكس جمال المكان وتاريخه. و«أفناء» هو مشروع مقهى يقدّم تجربة تجمع بين جودة القهوة والأجواء التراثية الهادئة داخل حارة النزار الأثرية، مع الاهتمام بالتفاصيل التي تعكس الهوية الثقافية للمكان. ويسعى المشروع إلى استقطاب الزوار والسياح وتعزيز الحركة السياحية والثقافية في المنطقة، عبر تقديم تجربة فريدة تمزج بين التراث والحداثة في بيئة مميزة».

وأضاف: «من أبرز التحديات التي واجهتنا موقع الحارة الأثرية، وصعوبة وصول مواد البناء والمعدات إلى الموقع، إضافة إلى ارتفاع تكلفة تنفيذ هذا النوع من المشاريع التي تتطلب المحافظة على الطابع التراثي للمكان. كما واجهنا تحديات تتعلق بقلة الأيدي العاملة الماهرة والمتخصصة في هذا القطاع، إلى جانب صعوبة توفير بعض المواد والعناصر التراثية والأثرية اللازمة لتنفيذ المشروع بالشكل المطلوب».

وشجع السرحني على الإسهام في تطوير المشاريع التي تهتم بترميم البيوت الأثرية القديمة، وقال: «نأمل أن يسهم هذا المشروع في تشجيع الأهالي على ترميم المنازل والبيوت الأثرية واستغلالها بالشكل الأمثل، بما يعزز من القيمة الثقافية والسياحية للمكان. كما نرجو أن يحظى هذا النوع من المشاريع بالدعم المادي والمعنوي من الجهات الحكومية المعنية، لما له من دور في الحفاظ على الهوية التراثية وتنشيط الحركة السياحية والاقتصادية.

كما نناشد الجهات المختصة لتبني بعض المبادرات الداعمة، مثل رصف الطرق المؤدية إلى المنطقة، والاهتمام بالمعالم القريبة مثل حصن إزكي والأسواق الأثرية والمعالم العامة، بما يسهم في تعزيز الحركة السياحية وإبراز القيمة التاريخية والثقافية للمنطقة».

كهف جرنان والأساطير القديمة

يقع كهف جرنان في حارة النزار، أسفل الحارة على ضفاف وادي حلفين، وسُمي نسبة إلى اسم الحارة قديمًا في العصر الجاهلي قبل الإسلام. وهو كهف صخري ويُعد معلمًا سياحيًّا في ولاية إزكي، وتم ترميم ما يقارب 20 مترًا من داخل الكهف تحت إشراف وزارة التراث والسياحة، أما باقي الكهف فقد تم ردمه بواسطة السيول الجارفة ودخول وادي حلفين إليه، وانتقل الإشراف على الكهف إلى مالك مشروع «أفناء» الذي يطل مشروعه على الوادي والكهف.

وتقول الأساطير إن كهف جرنان يقبع بداخله «ثور ذهبي» يسمى جرنان، وكان أهل القرية يعبدونه قبل ظهور الإسلام، وبعد الإسلام تم إخفاؤه داخل الكهف. وعلى لسان أهل القرية يقال بأن كل بعثة استكشافية تدخل الكهف تعود من حيث أتت؛ لأن الغموض يسيطر على الكهف، ويشعر المستكشفون كما لو أن حواسهم قد اختفت. ويقال أيضًا بأن الكهف لا يستطيع عبوره كاملًا إلا أهل الدين والعلم، لأنه يحوي الجن، وكل هذه الروايات متناقلة عبر الأجيال ولا تحوي شيئًا من الصحة.

وقد أسهمت هذه الروايات في ترويج الحركة السياحية في الحارة، فالكثير من السياح والمستكشفين ينتابهم الفضول لرؤية كهف «العجل الذهبي» ودخوله بهدف الاستكشاف.

الحركة السياحية

وتطوير الحارة

وقد زار قرية النزار عدد من المشاهير، من بينهم الرحالة النمساوي ثائر عبود؛ حيث تجول بين أروقة الحارة ومزارع قرية النزار، وأبدى إعجابه بجمالية القرية وهيبة طابعها العمراني الأصيل، وما تزخر به من تفاصيل تراثية تعكس عمق التاريخ العُماني وعراقة المكان. ويُعد ثائر عبود رحالة ومغامرًا نمساويًّا من أصل عراقي، اشتهر برحلاته الطويلة سيرًا على الأقدام عبر عدة دول وقارات، ومن ضمنها سلطنة عُمان؛ حيث يوثق في رحلاته الثقافات المحلية والمعالم التاريخية والطبيعية التي يمر بها.

وقال يوسف الراشدي المهتم بتطوير حارة النزار: «بدأت خطة تطوير الحارة بتشكيل لجنة أهلية لتطوير حارة النزار ومعاينة المنازل والطرقات؛ حيث تم البدء في المرحلة الأولى من التطوير بتنظيف الطرقات وتسقيفها بالأحجار الطبيعية لمساحة 1500 متر مربع، وكذلك تركيب الإنارة لمسافة 500 متر طولي، بدءًا من كهف جرنان مرورًا بالمقهى وصولًا إلى صباح الرحبة. ثم جاءت المرحلة الثانية التي شملت تسقيف الأرضية من صباح الرحبة إلى السوق القديم المجاور لجامع إزكي. كما تم تشكيل لجنة خاصة لإغلاق المنازل المندثرة والآبار المكشوفة وتغطيتها حفاظًا على سلامة الزوار».

وأضاف: «تم تنظيف عين المغبة، وهي حاليًّا في مرحلة التطوير، كما تم رفع الخطة إلى الوالي والمحافظ، ونأمل من الجهات المختصة والمهتمين بمجال البيوت الأثرية، إضافة إلى الأهالي ملاك هذه البيوت، الاستثمار السياحي في الحارة وترميمها، للحفاظ على هذا الإرث الثقافي العريق، بما يعود بالمنفعة الاقتصادية على المستثمر، مع الحفاظ على المقومات الطبيعية والتراثية للمكان، وتعزيز الحركة السياحية والثقافية في القرية».