مشاهد من ثنائية العيد والحرب

20 مايو 2026
20 مايو 2026

(1)

عيدٌ مختلف بكل المقاييس، مختلف في أحداثه، وتفاصيله، وأسعاره، عيد أمام فوهة البنادق، وأمام حرب الأسعار، وأمام تشرذم عربي غير مسبوق، وأمام انقسام بين دول المنطقة الخليجية، وأمام هيمنة صهيونية على معظم السماء، والأرض العربية، لا عيد يشبه هذا العيد (المفصلي)، فبدلا من أن ينطلق موكب الفرح، تتأهب البوارج الأمريكية لضرب كل من يعارض إسرائيل، وبدلا من أن تعلّق البالونات في البيوت، ترتفع أصوات المسيرات، وبدلا من أن نكون في عرض (بانورامي) جميل كما هي عادة الأعياد، إذا نحن أمام مشهد سوريالي لا يمكن فهمه، ولا تخطيه، ولا استيعابه.

(2)

عيد مختلف في دول الخليج التي اعتادت على الرفاهية، والفرح، والعفوية، فإذا الأمور تنقلب على عقبيها، ضربات صاروخية لم تعتدها، نبرات تهديد لم تألفها، تكالب الآخرين عليها كتكالب الأكلة على قصعتها، فيتغير كل المشهد الذي دأبت عليه لسنين كثيرة، حيث تحول العيد إلى تأهب لكل الاحتمالات غير السعيدة، وسنّ الجزارون سكاكينهم لا ليذبحوا أضحيات العيد، بل ليجزوا رأس الفرح نفسه، تغيرت المنطقة، وأصبحت ضحية لصراعات لا دخل لها فيها، ودخلت في حسابات معقدة للهيمنة، وتحول البذخ، والثراء، والثروة إلى كوابيس تطارد مستقبل الخليج كله، وتنذر بنار حرب ضروس تأكل الأخضر واليابس من الاقتصاد الذي بنته خلال عقود من العمل الدؤوب، والكفاح المستمر، وارتفعت نسبة الإنفاق العسكري لتأكل ميزانياتها المتآكلة أصلا، والتي أنفقت معظمها لحمايتها من عدو وهميّ.

(3)

يمر العيد، ونحن ننظر عن اليمين وعن الشمال، فلا نجد إلا انكسارا عربيا، ولا نرى سوى اقتتال داخلي في بعض الدول، ونشاهد أطفالا في فلسطين، وفي السودان، وفي ليبيا، وفي اليمن، وفي غيرها، يموتون بردا، وعجائز يموتون جوعا، وقهرا، بينما الفصائل المسلحة (الوطنية) تحاول إبادة أبناء شعبها، ليستقر لها الوضع، وتنعم هي بالثراء، والسلطة، ولا يهم في سبيل ذلك كم نفس تموت، وأي دمار يلحق بالوطن، وأي حزن، وفقر، وجوع يعيشه بقية الشعب المسالم، عيد نعيش أيامه الثلاثة ونحن نحاول إغلاق أصوات الإذاعة، والفضائيات كي لا نسمع عن القصف، والموت، والهلاك، وعبارات التخوين، وتيبّس العواطف، وانفلات القيم، والمبادئ، واندثار حتى الشعارات التي عهدناها مثل القومية، والعروبية، والتقدمية، وغيرها والتي رفعها العرب دون وعي، ولم يطبقوا أيّا منها يوم كان الوعي حاضرا.

(4)بعد أيام يعود العيد، بأكلاته، ووجباته، وواجباته الروتينية، ولكنه يعود على استحياء هذه المرة، كي يذكّرنا بمعانٍ افتقدناها، وقيم نسيناها وسط زحمة الحياة، جاء العيد لكي يعلّمنا أنه المناسبة السعيدة التي فقدت معانيها، والفرحة التي علّقناها على مشنقة التناحر، والسلام الذي تركناه على قارعة الحروب، ولم يبق منه سوى القشرة الخارجية التي تشير إلى الأطلال، والتي بقيت شاهدة على ضعفنا كأمة، وتشرذمنا الإنساني، وعجزنا عن حل مشاكلنا، ولذلك يبقى العيد ذاكرة الأحفاد، ومتحف السعادة التي نعلّق عليها أيامنا الغابرة التي نطل معها على الفرحة التي صاحبت جلساتنا، وضحكاتنا، وألعابنا الصغيرة ذات (عيد سعيد).