إيران...ذلك الخصم الذي يحاربه ترامب ولا يفهمه

07 أبريل 2026
ترجمة: أحمد شافعي
07 أبريل 2026

خمسة أسابيع مرت علينا، ونحن الآن في الأسبوع السادس من الحرب على إيران.

وما كان يفترض به أن يكون حملة عسكرية «دقيقة» شاملة للقضاء على «خطر نووي وشيك» وتحريضا للشعب الإيراني على «الاستيلاء» على الحكم، هو الآن بعيد كل البعد عن الدقة أو الشمول.

فدول الخليج منشغلة الآن في ضربات إيرانية انتقامية، ومضيق هرمز مغلق، وما من بادرة على انهيار نظام الحكم سواء من خلال ضعف عسكري أو ثورة شعبية.

وليس الاحتفاء المغالى فيه باستعادة طاقمي طائرتين أمريكيتين سقطتا إلا نتيجة لأنه ما من شيء آخر يمضي بحسب الخطة.

والخطأ كالعادة يتمثل في مزيج من الغطرسة والجهل والعيوب التي ازدادت جسامة بسبب خصائص النظام الحاكم في إيران.

وفي بداية الحروب يظهر ما يشبه العطل العقلي، وهو نوع من بطء التفكير الذي يعطل القدرة على استيعاب حقيقة أن الصراع الخطير لا يمكن احتواؤه سريعا. ويطول هذا العطل العقلي بالذت حينما تكون الولايات المتحدة جزءا من الأمر؛ إذ يظل مستعصيًا على أفهام البعض ألا تحقق قوة عسكرية متفوقة أهدافها بسرعة، وألا تستسلم قوة أدنى استسلامًا فوريًا، وألا ينضم الحلفاء إلى الولايات المتحدة ويحتشدون خلفها.

كما يستعصي على الأفهام ألا تقتصر تداعيات الحملة العسكرية على المناطق المستهدفة.

لم يتحقق أي من السيناريوهات المتوقعة؛ فالصراع يزعزع أسواق الطاقة، وثمة توقعات بالفعل بـ»ركود عالمي نادر في الاقتصاد» في حال طول أمد الحرب. وقد فشل دونالد ترامب في تجنيد حلفاء من أوروبا والخليج للمشاركة في الهجوم أو في جهود إعادة فتح مضيق هرمز. ويبقى النظام الإيراني ثابتا، ويسبِّب للولايات المتحدة تكاليف متزايدة في العتاد والأفراد.

ثمة قراءات خاطئة من شتى الأنواع ناجمة جميعا عن الثقة المفرطة في الإرادة الأمريكية. فعند إطلاق الهجوم على إيران، استولت على المهللين نشوة مسكرة بعالم تعيد أمريكا صنعه من جديد. فالحرب كما قالت ذي نيويورك بوست في افتتاحيتها «خطوة تاريخية»، وأعلنت صحيفة ذي وول ستريت جورنال أن الحرب «فيها مخاطر شأن الحروب جميعا، لكن لديها أيضا القدرة الكامنة على إعادة صياغة الشرق الأوسط إلى الأفضل وقيادة العالم إلى مزيد من الأمن».

والذين أبدوا بعض التحفظات على أن هذه معتقدات في غير موضعها قيل لهم إنهم بحاجة إلى إعادة تقدير موقفهم. وكتب بريت ستيفنز في ذي نيويورك تايمز يقول «إنني مذهول من التشاؤم الهائل الذي أراه في كثير من الكتابات.

لم يمض علينا أسبوعان بعد في الحرب التي سوف تنتهي بصورة شبه مؤكدة في غضون بقية الشهر». وهذا، يا عزيزي القارئ، ما لم يحدث. فانذهل.

والآن وقد انتهى العطل العقلي، واتضح الوضع لنا جميعا، فقد انتقل الحديث إلى المستنقع، والمخارج الممكنة، وإجراءات إنقاذ ماء الوجه التي يمكن أن يلجأ إليها ترامب ليقي نفسه المذلة. فالسؤال الآن لا يتعلق بالسرعة الي سوف تنتهي بها الحرب، وإنما بالسؤال الذي أثاره الجنرال ديفيد بترايوس في عام 2003 بشأن حرب العراق حينما قال: «أخبروني كيف تنتهي هذه الحرب؟» فالصورة التي تتضح الآن هي أن في إيران ديناميكيات ذاتية معقدة لا يمكن اختزالها في القصة المبسطة التي انطلقت على أساسها الحرب، ومفادها أن نظام الحكم السيء سوف يضعف عبر تدهور ممنهج فيسقطه شعبه فور أن تظهر الصدوع في أسسه.

لقد كان الخطأ الأول هو التهوين من شهية إيران وقدرتها على خوض حرب غير متكافئة. فليس من اللازم أن تمتلك إيران قدرات عسكرية ساحقة لكي تشل الخليج أو تزعزع استقراره. ولا ينبغي أن تكون الوسائل مدمرة هائلة، أو تسفر عن خسائر رهيبة في أرواح المدنيين، إذ يكفي تعطيل الحياة الطبيعية، والإضرار بمنشآت الطاقة، واستنزاف اقتصادات الدول، ورفع تكلفة الحرب على حلفاء الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي كله. وهذا الهدف تحقق من خلال وابل المسيرات الرخيصة، مع الصواريخ، على مدى أيام وأسابيع.

أما الخطأ الثاني فتمثل في توقع غريب بأن إيران لن تستعمل أهم أسلحتها، وهو إغلاق مضيق هرمز، لرفع تكلفة الحرب إلى مستويات أعلى. فحتى خلال حرب الاثني عشر يوما في العام الماضي، أثير على المستوى الداخلي احتمال إغلاق المضيق، وفي حوارات لي مع مسؤولين قطريين في ذلك الوقت، لم يكن الشاغل الأكبر المسيطر عليهم هو الصواريخ التي وجهتها إيران صوب قطر، وإنما خطر إغلاق المضيق.

والخطأ الثالث هو توقع الانتفاضة الشعبية، وهو ما لم يحدث بسبب شتى أتواع الظروف، وأوضحها هو أنه من الجنون المحض الخروج إلى الشوارع في حال تعرضها للقصف، ، وفي ظل استقطاب الرأي العام المعقد والمتباين أصلا، وفي ظل هجمات خارجية هي نفسها تقتل الإيرانيين وتضرب البنية الأساسية المدنية.

لكن كل هذه الحسابات الخاطئة تنبع من خطأ أساسي واحد: هو عدم فهم النظام الإيراني الذي ـ برغم كل ما يمكن أن يكال إليه من انتقادات ـ يحظى بقدرة هائلة على احتمال الألم، والتصعيد المطول دونما سيناريو واضح لانتصار عسكري على قوة عظمى، وهذا ما يستعصي على أفهام نظام الحكم الأمريكي.

لقد تحدد جانب عظيم من السياسة في المنطقة على أيدي بلاد محتشدة وراء القوة الأمريكية. فقصة الشرق الأوسط والعالم العربي بعامة خلال العقود الأربعة الماضية هي قصة تدجين وتقارب مع الولايات المتحدة، وانتفاع بالتبعية من معوناتها الاقتصادية واستثماراتها ومظلتها الأمنية. وهذا في واقع الأمر هو السبب في أن إيران ترى جيرانها في الخليج أهدافا عادلة، فهي تستضيف قواعد أمنية أمريكية، فجعلت نفسها بذلك قوى وكيلة وشريكة ضمنيا في الحرب وإن لم تشارك في الهجوم.

وفي هذا السياق، استنامت الولايات المتحدة إلى الإحساس بأن جميع الطرق تؤدي إلى الاستسلام، إما طلبا للتنعم بمنافع القوة الأمريكية، أو خضوعا لتفوقها. وهذا المنطق لا ينطبق على بلاد لها حسابات أخرى لا يمكن اختزالها في التكاليف والمنافع. ولا على بلاد تعرضت للحصار والعقوبات طويلا فنشأت لديها تكتيكات كاملة، اقتصاديا وسياسيا، فلم تعد القوة تتعلق لديها بالهيمنة وإنما بمحض البقاء في اللعبة. والجماعات الوكيلة التابعة لإيران، من حزب الله إلى الحوثيين، دليل على مدى قدرة إيران على البقاء في اللعبة حتى خارج حدودها بما يعزز مصالحها ويقيها النتائج التي تزيدها ضعفا أو انعزالا.

إن ما يواجهه ترامب هو خصم لا يفهمه، ولا يمنعه من الفهم إلا الجهل، وأيضا لأن الخصم نفسه يمثل حالة استثنائية، فهو نظام أنشأ على مدى عقود إطارا محليا وإقليميا، وبيئة أيديولوجية وفكرية كاملة، يتعلق النجاح في ظلهما بحفاظ النظام على قدرته، وفقا لشروطه، في مواجهة الهيمنة الأمريكية.

ومحض استمرار الحرب لأسابيع أكثر مما كان مقدرًا لها، ودونما نهاية واضحة، وبتكلفة متزايدة على الجميع، إنما يرجع إلى أنها قتال لا بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وإنما بين فريقين كل منهما له تعريفه المختلف للانتصار.

نسرين مالك من كتاب أعمدة الرأي في صحيفة ذي جارديان