لغة الخطاب السياسي الراهن
07 أبريل 2026
07 أبريل 2026
الخطاب السياسي في أبسط معانيه هو اللغة المتداولة التي يستخدمها الساسة للتأثير في الجمهور، وتوجيه الرأي العام. يتبدى هذا الخطاب على المستوى الرسمي في بيانات الحكومة وتصريحاتها، والخطب الجماهيرية للزعماء والقادة، وفي لغة الخطاب الإعلامي الذي يعمل على تشكيل رؤى سياسية معينة من خلال أجهزة الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي.
ويهدف هذا الخطاب إلى كسب تأييد الجماهير سواء من خلال الإقناع بالحجة العقلية، أو التأثير العاطفي الذي يستدعي مشاعر الخوف أو الأمل أو الفخر، فضلًا عن تأجيج الشعور بالهوية والوطنية؛ ولذلك فإنه يستخدم عادةً مفردات لغوية انتقائية محسوبة تخدم رؤية معينة يُراد ترسيخها في الوعي الجمعي، وهو يلجأ إلى استخدام أو رفع شعارات مختزلة فضفاضة من قبيل: الهوية، والسلام، والحرية، والأمن، والتنمية، والرفاهة من دون التورط في تحديد الكيفية التي يمكن بها تحقيق هذه الشعارات.
وبذلك فإن الخطاب السياسي هو في النهاية أداة من أدوات السلطة والسيطرة، وهذا في حد ذاته أمر مشروع من الناحية السياسية، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن حينما تكون هذه السلطة ديكتاتورية أو غاشمة أو مستبدة؛ لأن الخطاب السياسي عندئذ سيكون أداة من أدوات التضليل وتغييب الوعي، وهذا ما يمكن أن نتعرف عليه في اللحظة الراهنة من خلال تحليل لغة الخطاب السياسي الأمريكي كما يتبدى في أقوال ترامب من حيث مغزى القول وسياقه والطريقة التي يُقال بها.
بوسعنا القول: إن هناك تحولات كبيرة في عصرنا الراهن قد طرأت على لغة الخطاب السياسي التقليدي، ومن ذلك أن هذا الخطاب لم يعد يعتمد على الإقناع بالحجة العقلية، وإنما على ترويج الأكاذيب من خلال الوسائط الإعلامية والرقمية، وإلى استخدام الشعارات العاطفية التي تستدعي الخوف من افتقاد الأمن والسلام ومن افتقاد الهوية التي تهددها كل المخاطر التي تأتي من خارج الدولة والنظام السائد، أو من داخله.
ولذلك يعتمد الخطاب السياسي الراهن- في الوقت ذاته- على استخدام الشعارات العاطفية التي تستدعي المشاعر العدائية ضد الآخر الذي يهدد الهوية والأمن والسلام والتنمية.
غير أن الخطاب الأمريكي الراهن على لسان ترامب لا يتجاوز لغة الخطاب السياسي التقليدي وحسب، وإنما يعصف بأصول أو مبادئ أي خطاب سياسي يمكن أن يُقال مهما طرأ عليه من تطورات. وهذا هو بالضبط ما نجده ماثلًا في تلك اللغة المستحدثة التي يمكن أن نسميها «اللغة الترامبية»، وهو ما يمكن رصده وتحليله فيما يلي من سطور:
لغة ترامب وتصريحاته غارقة في الشخصنة؛ فهو يؤكد دائمًا للداخل الأمريكي وللخارج أنه هو المنقذ والمخلِّص للعالم من الشرور والإرهاب، وأنه رسول السلام والأمن في هذا العالم، وهو لم يتورع عن تصدير هذا من خلال الاستعانة ببعض أصحاب المباخر من الإنجيليين لترويج تلك الصورة الكاريزمية المصطنعة له. ويبدو أنه لم يفهم حتى الآن أن هذه الصورة الكاريزمية أصبحت الآن موضوعًا للتهكم والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي بوجه خاص، ولكنه يدرك بالتأكيد أن شعبيته في الداخل الأمريكي قد انخفضت بشكل ملحوظ حتى انحدرت إلى نسبة 30%.
ربما يكون طابع الشخصنة هو الطابع المميز بوضوح للغة ترامب؛ فهو في كل تصريح يقول: لقد رأيت، أو لقد قررت كذا وكذا، أو سأفرض عقوبات أو ضرائب على دول معينة من دون اعتداد براي الدول والمنظمات الدولية ومواقفها السياسية، ولا برأي المؤسسات الدستورية في بلاده، وعلى رأسها الكونجرس الأمريكي، حتى إن كان الأمر يتعلق بقضايا كبرى مثل شن الحرب العدوانية على إيران على الرغم من مخاطر هذه الحرب على العالم بأسره.
والحقيقة أن طابع الشخصنة متأصل في طبيعة شخصية ترامب نفسها، ولسنا في حاجة هنا للجوء إلى تحليلات الأطباء المتخصصين لنكتشف أن هذا الشخص يعاني من جنون العظمة الذي يتبدى، لا فقط في أقواله، وإنما أيضًا في إيماءاته وحركاته.
الغالب على خطاب ترامب أنه خطاب موجَّه إلى العالم، ولكنه يستخدم في لغته عبارات غائمة ومتناقضة في كل خطاب، وفي التصريحات التي يدلي بها يوميًّا، بل في الجملة الواحدة من تصريحاته! والحقيقة أنه لا غرابة في ذلك إذا نظرنا إليه باعتباره مرتبطًا بشخصيته نفسها؛ فهو مفتون بأن يبقى محط أنظار العالم كله، بحيث يبقى هذا العالم منتظرًا دائمًا لما سوف يصرح به! ولذلك فإنه لا يتورع في اليوم التالي عن العدول عما أدلى به من تصريحاته، ليُدلي من جديد بتصريحات أخرى، وهكذا.
وهو يستغل في ذلك إدراك العالم أن هذه التصريحات تتعلق بأمور جسام لها تأثير على الأوضاع العالمية باعتبارها تتعلق بمسلك أقوى دولة في العالم تقريبًا أو حتى الآن على الأقل، وذلك من قبيل تصريحاته في دعم حرب إسرائيل على غزة، وفي حرب روسيا على أوكرانيا، وفي توقيع العقوبات وفرض الضرائب على الدول الأخرى، وفي موقفه من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. وهو مفتون دائمًا بالإدلاء بهذه التصريحات من خلال الشعارات المختزلة، وفي نوع من الأداء المسرحي الذي يستخدم لغة الجسد والذي يجعل الجمهور المتلقي للخطاب مشاركًا وجدانيًّا، وليس مجرد متلقٍ لمعلومات.
تعتمد لغة الخطاب الترامبي الموجه إلى الداخل الأمريكي على شعارات تتعلق بالتأكيد على إذكاء روح القوة والشعور بالهوية من قبيل: «أمريكا أولًا»، أو «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» (وهو الشعار الشهير الذي يختزل رمزيًّا في كلمة «ماجا» MAGA). ومع ذلك فإن السياسة الأمريكية الراهنة التي يحكمها ترامب قد أصبحت منشغلة بجعل أمريكا عظيمة من خلال الحرب والعدوان على الآخرين! ولذلك فإن الخطاب الترامبي يعمد دائمًا إلى خلق عدو والسعي إلى استهدافه، أعني: أنه خطاب أصبح منشغلًا بالآخر باعتباره عدوًا يهدد الهوية الأمريكية نفسها (وكأن الهوية تعني نفي الآخر)!!
اكتشف الشعب الأمريكي تناقض هذا الخطاب السياسي وفشله، وهو ما جعل شعبية ترامب تتراجع بشكل حاد. ولا أظن أن السياسات العالمية سوف تتأثر بهذا النوع من الخطاب السياسي؛ ليس فقط لأنه يجافي الطبيعة الإنسانية السوية، وإنما أيضًا لأنه قد أثبت فشله على سائر الأصعدة.
