الإيديولوجيات الدينية تعيق وقف الحرب

07 أبريل 2026
ترجمة: بدر بن خميس الظّفري
07 أبريل 2026

أي حرب تُشنّ انتهاكًا للقانون الدولي تُعدّ خطيرة بطبيعتها لأنها تقوّض النظام القائم على هذه المبادئ. لكنّ الأخطر من ذلك هو الحرب التي تفتقر إلى العقلانية الاستراتيجية.

اليوم، يتساءل الرأي العام الأمريكي، بل وجزء كبير من العالم، سؤالًا بسيطًا: بأي منطقٍ إنقاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مُقتديًا برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى حربٍ ذات أهدافٍ غامضة وعواقب كارثية محتملة؟

لم يظهر جوابٌ مُقنع، فهذه الحرب لا تقوم على العقلانية الجيوسياسية، بل على شكلٍ من أشكال اللاعقلانية الدينية السياسية.

لقد استُبدلت المفاهيم التقليدية للحكم الرشيد، كالتوازن الجيوسياسي، والترابط الجيواقتصادي، وإدارة الأزمات، والاستقرار الإقليمي، بمفرداتٍ مختلفة مثل هرمجدون، والمهام الإلهية، و«الشعب المختار»، وفكرة تحقيق المصائر المقدسة بالقوة.

مع أن هذه الأفكار كانت تُعدّ في الماضي مجرد خطابٍ هامشي، إلا أن تبنّيها من قِبل قيادات الدول يُشير إلى أزمةٍ أعمق بكثير. عندما تؤثر الرموز الدينية والروايات المروعة على صنع القرار على أعلى مستويات السلطة، تكون النتيجة تشويهاً للسياسات من أخطر الأنواع - تهديداً وجودياً محتملاً للنظام العالمي.

بعد الحرب العالمية الثانية، خضعت منطقة الخليج لإطار استراتيجي مستقر نسبيًا، قائم على ثلاثة أركان هي: الاقتصاد الجيوسياسي لتدفقات الطاقة العالمية، والاستقرار الجيوسياسي اللازم لاستدامتها، والتوازن الجيوعسكري المصمم لحماية هذا التوازن.

أوجد هذا الإطار توافقًا ضمنيًا على ضرورة منع امتداد الصراعات إلى الخليج. حتى القوى المتنافسة أقرت بأن استقرار المنطقة مصلحة مشتركة. أثبت هذا الإطار مرونته. فالحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات لم تجرّ ممالك الخليج إليها. كما أن الرد الدولي على غزو العراق للكويت أعاد السيادة مع الحفاظ على النظام الإقليمي الأوسع. وحتى بعد هجمات 11 سبتمبر والغزو الأمريكي للعراق، تمكنت دول الخليج من البقاء خارج بؤرة الصراع المباشرة.

لكن اليوم، انهار هذا التوازن. فقد استبدل تحالف نتنياهو-ترامب، المدعوم من الشبكات الأيديولوجية الصهيونية والمسيحية الصهيونية، العقلانية الجيوسياسية بمنطق حرب ديني سياسي.

إن العواقب لهذا التوجه وخيمة، فالتهديدات التي تواجه مضيق هرمز تُعرّض الاقتصاد العالمي للخطر؛ وتتضرر صورة الخليج كمركز مالي آمن؛ ولم يعد وجود القواعد الأمريكية يضمن الأمن. لقد أصبحت المنطقة، التي كانت تُشكّل ركيزة أساسية للاستقرار العالمي، بؤرة أزمة بنيوية. السؤال المحوري هو: هل يُمكن لوقف إطلاق النار أن يُعيد العقلانية الجيوسياسية؟ تُشير تجارب الأزمات السابقة إلى أن وقف إطلاق النار يُصبح ممكنًا عندما تشعر جميع الأطراف في آنٍ واحد بأنها تضعف وتعجز عن تحقيق نصر حاسم.

بعد أسابيع من الدمار، قد تكون هذه اللحظة قريبة. لكن لكي يتحقق وقف إطلاق النار، يجب على الولايات المتحدة تحديدًا إجراء إعادة تقييم استراتيجية. وهذا يعني فصل السياسة الخارجية الأمريكية عن الطموحات الإسرائيلية والقوى الأيديولوجية الكامنة وراءها. إن دمج العقيدة الدينية مع سياسة الدولة، وتصوير التاريخ كمعركة مقدسة، وإضفاء الشرعية على التوسع الإقليمي وإبادة الأعداء المُتصوَّرين، يُعيد إلى الأذهان أنماطًا أيديولوجية خطيرة من الماضي.

في الوقت نفسه، يجب على السياسيين الإسرائيليين العقلانيين والمثقفين اليهود اتخاذ موقف واضح ضد المسار الحالي. فإسرائيل ليست مرادفة لقيادتها الحالية، كما لا يمكن اختزال اليهودية إلى سياسات أي حكومة. ثمة حاجة ماسة إلى أصوات تستند إلى المسؤولية الأخلاقية والمنطق الاستراتيجي.

إنّ العودة إلى العقلانية الجيوسياسية أمر لا غنى عنه لإنهاء الحرب. فالافتراض القائل بأن تصعيد الدمار سيؤدي إلى نصر سريع، لا سيما في ضوء الحسابات الانتخابية، هو افتراض خاطئ تمامًا.

فبدون حرب برية، يصبح تغيير النظام في إيران أمرًا غير واقعي؛ ومع ذلك، من المرجح أن تُفضي الحرب البرية إلى عواقب أشد وطأة بكثير من تلك التي شهدها العراق، مما قد يُؤدي إلى زعزعة استقرار إقليمية طويلة الأمد. هذا الواقع يُلقي بالمسؤولية على عاتق الفاعلين العقلانيين داخل الولايات المتحدة. يجب على القادة من الحزبين، وخاصة داخل الحزب الجمهوري، إدراك تراجع التأييد الشعبي للحرب، وتحدي الافتراض القائل بأن التصعيد العسكري يُحقق مكاسب سياسية. وتعكس مظاهرات «لا للملوك» الواسعة النطاق في المدن الأمريكية الكبرى تزايدًا في الطلب الشعبي على ضبط النفس والمساءلة. يتعين على إيران أيضاً إعادة تقييم استراتيجيتها الإقليمية. فقد أثبت الاعتماد على شبكات الوكلاء لبسط النفوذ في عواصم عربية متعددة، كبغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، أنه يأتي بنتائج عكسية، إذ خلق نقاط ضعف بدلاً من تعزيز القوة. ومن الضروري التحول نحو انخراط إقليمي بنّاء، لا سيما من خلال وقف الهجمات على دول الخليج المجاورة والسعي إلى الاحترام المتبادل.

علاوة على ذلك، لا تنبع المرونة الوطنية الحقيقية من القدرات النووية، بل من الشرعية الداخلية، والرفاه الاقتصادي، والأمن، وكرامة المواطنين. وينبغي أن تحفز الخسائر ومواطن الضعف التي كُشِف عنها خلال الحرب إصلاحات جوهرية في النظام السياسي الإيراني.

أما بالنسبة لدول الخليج، فالتداعيات بالغة الأهمية، فلقد أثبت الاعتماد طويل الأمد على الضمانات الأمنية الخارجية عدم كفايته. فلم يمنع الوجود العسكري الأمريكي ولا زيادة الإنفاق الدفاعي عدم الاستقرار. وبالمثل، فشلت مبادرات التطبيع بموجب اتفاقيات أبراهام، التي تتجاهل القضية الفلسطينية، في تحقيق سلام مستدام، بل ولّدت تحديات تتعلق بالشرعية.

ونتيجة لذلك، يواجه قادة الخليج حاجة ملحة إلى تحول استراتيجي شامل قائم على أربعة محاورهي: تنشيط آليات التعاون الإقليمي، مثل مجلس التعاون الخليجي؛ وبناء نظام إقليمي شامل يضم فاعلين رئيسيين، من بينهم تركيا ومصر والعراق وسوريا وإيران؛ والحفاظ على علاقات متوازنة بين القوى العالمية؛ والإقرار بأنه لا يمكن تحقيق سلام دائم دون معالجة الحقوق الفلسطينية.

ويصبح وقف إطلاق النار قابلاً للتطبيق عندما تُقر جميع الأطراف بحدود قوتها وتُدرك أن استمرار الصراع لا يُحقق سوى نتائج عكسية. قد تمثل اللحظة الراهنة فرصة سانحة. المطلوب هو إطار عمل يسمح لكل طرف بعرض النتيجة محلياً على أنها مقبولة، حتى بدون تحقيق نصر كامل، بدعم من وسطاء موثوقين قادرين على رأب الصدع،وإنّ عدم اغتنام هذه الفرصة يُنذر بعواقب وخيمة.

لقد كانت الحرب العالمية الثانية مدفوعة بعقائد أيديولوجية محورها العرق والمصير.

وقد لا يظهر صراع عالمي مستقبلي، تشكّله سرديات سياسية دينية، كحرب واحدة، بل كصراعات إقليمية مترابطة تُنتج مجتمعةً دماراً غير مسبوق.

لذا، فالخيار واضح وهو إما العودة إلى جيوسياسية عقلانية قائمة على القانون والتوازن والمصالح المشتركة، أو الانزلاق إلى نظام عالمي مجزأ ومدفوع أيديولوجياً بنتائج كارثية محتملة.