جريمة الحرب ومحكمة الجنايات الدولية

07 أبريل 2026
07 أبريل 2026

مع نشر هذا المقال لا نعرف هل نفذ الرئيس الأمريكي ترامب تهديده بالاعتداء على مفاصل الجمهورية الإسلامية الايرانية فيما يخص قطاع الطاقة والجسور وكل القطاعات المدنية، أم أنه تراجع لإعطاء الدبلوماسية فرصة لإنهاء الحرب العدوانية الأمريكية الاسرائيلية على إيران؟

اذا ارتكب الرئيس ترامب الحماقة المعهودة عنه وهاجم مقدرات الشعب الايراني فقد ارتكب جريمة حرب غير قابلة للنقاش؛ لأن القطاعات المدنية كالكهرباء والمدارس والجامعات والجسور تعد مقدرات مدنية ليس لها علاقة بالحرب، وهي تدخل فيما يسمى بأخلاقيات الحروب.

أما اذا تراجع عن تلك الخطوة الخطيرة فإن على المجتمع الدولي والدول الفاعلة بذل المزيد من الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى توافق سياسي بين طهران وواشنطن.

إن شن الحرب من قبل ادارة ترامب على ايران كان من الأخطاء الاستراتيجية الفادحة؛ لأن هذا السلوك أضر بهيبة الدولة الأمريكية التي يفترض أن تقود العالم نحو السلام وحل المشكلات الاقليمية، أما شن الحروب فله تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، ويدخل منطقة الخليج العربي في مناخ سياسي وعسكري معقد.

لقد تلقت إدارة الرئيس الامريكي ترامب مواقف قوية من الحلفاء في الناتو الذين رفضوا الخطوة الأمريكية، بل إن المؤسسات الأمريكية التشريعية رفضت سلوك الرئيس الامريكي ترامب خاصة وأن نتائج تلك الحرب الكارثية أضرت بسمعة الولايات المتحدة الأمريكية والاقتصاد الامريكي، بل فشلت في تحقيق أهداف تلك الحرب.

وأصبح الرئيس ترامب في موقف محرج جعله يتحدث عن هجمات عسكرية ضد مقدرات الجمهورية الاسلامية الإيرانية المدنية، وهو تصرف غير مسوؤل إن حدث، وسوف يكون له تبعات خطيرة على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.

إن الرئيس الأمريكي ترامب أحاط نفسه بمجموعة من المستشارين والوزراء خاصة الخارجية والحرب والأمن القومي، وهم أكثر صهيونية من نتنياهو؛ حيث ورط هذا الأخير الرئيس الامريكي، ومن هنا فإن المنطق السياسي يفرض على الكونجرس والمؤسسات التنفيذية الضغط على الرئيس ترامب لسحب قواته من المنطقة.

دول مجلس التعاون الخليجي دخلت في منعطف خطير بسبب شرارات الحرب، ولعله من المفيد من وجهة نظري تقييم العلاقات الخليجية الأمريكية خاصة على صعيد التعاون العسكري، وأن يكون هناك تفكير جاد نحو تشكيل القوة العسكرية الذاتية علاوة على ايجاد علاقات متوازنة مع الجمهورية الاسلامية الإيرانية؛ لأن الجغرافيا تظل ثابتة.

وفي تصوري أن نموذج العلاقات العمانية الإيرانية الذي يقوم على الحوار والاحترام المتبادل والتعاون وعدم التدخل في الشان الداخلي هو نموذج ناجح جعل من التعايش بين البلدين والشعبين ممكنًا لأكثر من نصف قرن سواء خلال حكم الشاه أو بعد قيام الثورة الاسلامية عام ١٩٧٩؛ حيث إن العلاقات بين الدول تقوم وفق أسس محددة ليس لها علاقة بشكل النظام السياسي في هذه الدولة أو تلك.

الولايات المتحدة الأمريكية في تصوري خلال وجود الادارة الحالية أضرت بمصالح دول مجلس التعاون الخليجي، بل إن مسألة الحماية والأمن أصبحت مجرد وهم؛ حيث اندفعت واشنطن للدفاع عن الحليف الحقيقي وهو الكيان الصهيوني، كما أشار إلى ذلك وزير الحرب الأمريكي ذو النزعة الصهيونية.

لقد خلقت الحرب التي شنها الرئيس الأمريكي ترامب دون مسوغ قانوني أو اخلاقي إشكالات في دول المنطقة، ومن هنا فإن المراجعة والتقييم من الضرورات في مجال العلاقات الدولية، وهو حق من حقوق السيادة.

ولعل نموذج مملكة إسبانيا -وهي جزء من حلف الناتو- يعطي درسا حقيقيا؛ حيث رفضت مدريد كل أطروحات الرئيس الأمريكي ترامب، وحافظت على مصالحها بعدم التورط في حرب ليست حربها؛ ومن هنا فإن هذا النموذج الإسباني يوجه رسالة صريحة للآخرين في العالم العربي بأن عالم اليوم يقوم على المصالح.

وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس ترامب سوف تضر بمصالحنا والأمن القومي العربي فان هناك خيارات وتقييما موضوعيا بطريقة مهنية كما فعلت مملكة إسبانيا التي اتخذت مواقف مشرفة لصالح القضية الفلسطينية، والآن ضد توجهات الحرب ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

إن تقييم الحرب وتداعياتها سوف يكون مثار نقاش إقليمي ودولي، والكل الآن يتطلع الى نهاية لتلك الحرب الكارثية التي أشعلها الرئيس الأمريكي ترامب دون وعي وتفكير موضوعي، بل إنه لم يستمع إلى تقييم كبار قادة الجيش أصحاب الخبرة الذين خاضوا عددا من الحروب في منطقة الشرق الأوسط، بل أحال وزير الحرب الذي يفتقر إلى الخبرة العسكرية عددا من تلك القيادات العسكرية إلى التقاعد، ومنهم رئيس أركان الجيش.

ومن هنا فإن إدارة الرئيس الامريكي ترامب هي إدارة صهيونية بامتياز، ولعل نتنياهو المتطرف وجدها فرصة للتحريض على إشعال الحرب التي تعد في حقيقتها ضد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

إن جريمة الحرب لها أسس قانونية في محكمة الجنايات الدولية، وهو الأمر الذي ارتكبه مجرم الحرب نتنياهو ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة؛ حيث أزهقت أرواح أكثر من ٧٠ ألف إنسان معظمهم من الأطفال والنساء، ومن هنا صدرت بحق المجرم نتنياهو مذكرة اعتقال.

وعلى ضوء ذلك فإن تهديد الرئيس الأمريكي ترامب بقصف القطاعات المدنية سوف يدخله في قضايا جريمة الحرب سواء كان في سدة السلطة أو خارجها.

ولعل من الأمور الغريبة أن هذا الرجل القابع في البيت الأبيض قد قارب عمره ٨٠ عامًا، ويأتي بكل هذا السلوك والتهديد ضد الدول والمجتمعات، وهو يقود أقوى دولة في العالم عسكريا واقتصاديا وتقنيًا. وفي تصوري أن غرور السلطة وعدم وجود مستشارين من أصحاب الخبرة أفقداه الكثير من السلوك المتزن.

وكما أشرت في مقال سابق إلى أن العالم سوف يعاني الأمرين من الرئيس الأمريكي ترامب خلال السنوات الثلاث القادمة، وهو ماتبقى له زمنيا في السلطة .

إن الحرب الحالية سببت أوجاعا عميقة بين دول مجلس التعاون الخليجي والجمهورية الإسلامية الإيرانية، والسبب هو الذي أشعل تلك الحرب، والذي حرض عليها، والآن دول المنطقة تدفع ثمنًا فادحًا؛ ومن هنا فإن المطلوب الآن هو إنهاء الحرب، وإيجاد اتفاق نووي بين طهران وواشنطن يقوم على التوازن والاستدامة، ورفع العقوبات الاقتصادية عن إيران بحيث تدخل المنطقة أجواء الحوار والسلام، والحفاظ على المقدرات، وترميم العلاقات الخليجية الإيرانية؛ حيث الجوار والجغرافيا من الثوابت التي لا يمكن تغييرها.