المستثمر الذي عاد باحثا عن عمل!
29 مارس 2026
29 مارس 2026
ثمّة تشديدٌ ملحوظ في السنوات الأخيرة من قِبل وزارة العمل لتحقيق نسب التعمين المُبتغاة، بغضّ النظر عمّا قد يرزحُ أسفل قرارات من هذا النوع من ضغوط مُحتملة على المشاريع الصغيرة والمتوسطة. في سبتمبر ٢٠٢٥، ناقشتُ في هذه المساحة القانون الذي يُلزم المؤسسات التي مضى على تأسيسها عامٌ واحد بتوظيف مواطنٍ عُماني واحد على الأقل في مقال بعنوان: «يقطعون رأسه ليُشفى صداعه»، وقد برّرت الوزارة توجهها آنذاك استنادًا إلى بيانات كشفت عن آلاف المؤسسات الخالية من الكوادر الوطنية!
وها نحن نتفاجأ مجددا بربط رسوم إصدار وتجديد تصاريح العمل بنسب التعمين وذلك بموجب القرار الوزاري رقم 2025/602؛ حيث تُخَفَّض بنسبة 30% عند الالتزام، وتُضاعفُ عند المخالفة، ما يعني ارتفاع الرسوم بنسبة 100% من 211 ريالًا إلى 421 ريالًا عند عدم الامتثال!
قد تبدو بعض هذه القرارات في ظاهرها وسيلة ناجعة لتقليل نسبة الباحثين عن عمل، لكنها في مياهها الباطنية تُخفي تعقيدات لا نهاية لها، إذ تتحوّلُ المشاريع الصغيرة إلى رقعة شطرنجٍ تُحرَّكُ بيادقها فوق احتمالاتٍ مجهولة! فالنوايا الحسنة لا تكفي وحدها لإنقاذنا من النتائج المُخيبة للآمال، الأمر الذي يُذكرني بالمثل الإنجليزي القديم: «الطريقُ إلى الجحيم مرصوفٌ بالنوايا الحسنة»!
وقد لا يخفى على وزارة العمل الامتثال الصوري.. تلك الحلول الشكلية التي يتواطأ عليها الكثيرون للتملص من العقوبات الباهظة، كتسجيل الأقارب للعب دور الموظفين في المسرحية الهزلية. الأمر الذي يجرنا إلى ما يُسمى بتشويه السوق، فالامتثال لهذه القرارات يرفعُ النفقات التشغيلية ويؤدي إلى زيادة الأسعار ومن ثمّ تراجع القدرة التنافسية وفي أسوأ الأحوال إغلاق بعض المشاريع التي ما زالت تحبو!
هكذا تُحمّل المشاريع الصغيرة أعباءً مالية وإجرائية إضافية في مرحلة شقّ الشرنقة وفرد الأجنحة للتحليق، مما يُفضي إلى المسّ بحيوية السوق وتوازناته الدقيقة، وتهتكُ الأجنحة قبل أن تمرّ الدماء في نبض عروقها!
كثّفت الجهات المُختصة حملات التفتيش لرصد مخالفات قانون العمل والسلامة المهنية، وفرضت غرامات مالية تصل إلى 50 ريالًا عن كل شهر تأخير في صرف الرواتب أو مخالفة نظام حماية الأجور، وإن حُمد للوزارة ترسيخ الثقة إلا أنّها على الجانب الآخر من الميزان تُثقل كاهل المؤسسات ذات الإيرادات المحدودة في ظل تباطؤ الحركة التجارية أصلا، ومع تراكم الغرامات تُهددُ السجلات بالحظر!
والسؤال الملحّ: هل صُممت هذه الإجراءات لتُثخن كاهل المستثمر الصغير الذي بالكاد يفرد ذراعيه بنزقٍ أولي؟ هل ننوي إعادته مجدّدًا إلى المربع الذي غادره، أعني مربع «باحث عن عمل»! بينما كان يُمني نفسه بحزمٍ من الحوافز المالية والتسهيلات والإعفاءات الضريبية، لينهض قويًّا على رجليه؟ ولماذا لا يُمهلُ ريثما ينضجُ ويشبُّ عن الطوق؟ أم أننا ننوي نتف ريشه ريشةً تلو الأخرى، بينما تتعملقُ الديناصورات على ضفافٍ أخرى!
كما ذكرنا سابقًا، لسنا ممن ينظرون بازدراء لمن يعمل في محل لكيّ الملابس أو مقهى كرك وقهوة، أو في محل حلاقة أو خياطة، لكن السؤال: ما المهارات التي زُوّد بها العُماني ليغدو محل ثقتنا أيضا؟ ومن أين لصاحب المشروع الصغير أن يُوفر راتبًا قدره 325 ريالًا لموظف عُماني، جوار اشتراكات التأمينات الاجتماعية، لا سيما وأن هامش ربحه قليل في بداية الطريق؟ ألا يبدو الأمر كمن يفتحُ شريانا غضا أمام نزيف لا محدود!
كلنا نحلمُ بسوق يشع بالكفاءات العُمانية، سوق قوي يصبحُ محط نظر الأجيال القادمة، إلا أنّ قرارا واحدا يُلقي الآن بثقله على مؤسسات ليست على كفاءة مالية وإدارية متساوية، قرارٌ يُهددها بالضمور والتلاشي في وقت يُكابد السوق فيه الركود والخيبات، يخرج من أزمة لتصفعه أخرى!
كان الأجدرُ بنا أن نخلق من المستثمر الصغير نموذجًا يُحتذى به، نموذجا مُلهما للأجيال القادمة، لتصنع هي الأخرى خريطة فرصها اللامحدودة، فلا توأد باكرا بالتعجيز.
إننا ندفعُ الذين يقاومون رياح تقلبات السوق العاتية، لأن يُنزلقوا في أوحال الاستسلام باكرًا. والسؤال الملح: هل يمكن قياس نتائج هذه القرارات؟ فبينما ينضمُّ عُمانيٌّ لحل مُعضلة البطالة، كم من مشروع ومؤسسة تُغلقُ أبوابها؟
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»
