«بدل تالف» ... الدراما والتجارة المحرّمة
13 مايو 2026
13 مايو 2026
تشدّني كثيرا الدراما التي تكشف عن الظواهر التي تشكّل خطورة على المجتمعات، فتدقّ جرس إنذار تجنّبها هذه الخطورة، وقد شدّني مسلسل حمل عنوان (بدل تالف) للمخرج السوري قتيبة غانم، والكاتبة المصرية سارة مصباح، عرضته قناة الشرقية، ولم يأخذ نصيبه من المشاهدة، والتحليل، كونه عُرض خلال تصاعد الأحداث التي عصفت بالمنطقة، وما رافق ذلك من توترّ، وانصراف الجمهور إلى القنوات الإخباريّة.
وتأتي أهمّيّة المسلسل كونه يكشف عن عصابات بيع الأعضاء للمرضى الذين يعانون من فشل في وظائف الأعضاء، وهي عصابات تنضوي تحت لوائح الجريمة المنظّمة، ويقوم عملها على الاتجار بالأعضاء البشرية، وهو عمل غير قانوني يختلف عن التبرع القانوني الذي يشمل أفراد الأسرة حيث تتشابه الأنسجة، أو ضحايا الحوادث، والتبرّع بعد الوفاة، فيستغل الذين يتاجرون بالأعضاء البشرية حاجة المرضى لتبديل أعضاء عاجزة عن تأدية وظائفها في أجسامهم، وبالوقت نفسه تغري المتبرّعين بالمال، والبعض تضطرّه الحاجة إلى ذلك، مستخدمين أساليب الخداع، موهمين المتبرّعين بعدم وجود مشكلات صحية تحدث لهم بعد استئصال العضو، أو جزء من العضو، وهي ظاهرة لها ارتدادات خطيرة في المجتمع وسط غياب الرقابة المشدّدة، والتشريع المنظّم لعملية نقل الأعضاء في بعض البلدان مستغلّين زيادة الطلب عليها.
وتدور حكاية المسلسل الذي صاغ رؤيته الإخراجيّة وأشرف على السيناريو المخرج المتميّز علي فاضل، حول(حياة) الفتاة التي تعيش حياة هادئة مع والدها الأستاذ الجامعي، وتعمل مدرّبة في أحد نوادي اللياقة البدنية، لكن فجأة تعصف بحياتها مشكلة مرض والدها، وإقرار الأطباء بضرورة تبديل جزء من الكبد في أسرع وقت، وتقرّر(حياة) أن تتبرّع بجزء من كبدها واضعة في اعتبارها المخاطر الناجمة التي يمكن أن تتعرّض لها لاسيّما، وهي في مقتبل حياتها، لكنّ الفحوصات أثبتت عدم مطابقته لكبد الوالد؛ لكون كبدها أصغر من المطلوب، وتبدأ معاناتها في البحث عن متبرّع تتطابق أنسجته مع أنسجة كبد والدها العليل، فتجد نفسها وسط غابة من الوحوش البشرية في عالم بلا ضمير، لا يهمّها سوى الربح، تنظر للإنسان كماكنة بلا مشاعر. ويستعرض المسلسل حكايات فرعيّة عن ضحايا هذه العصابات، كما جرى من الشاب (سلطان) الذي لا يتجاوز عمره الـ(16)، ووقع اختيار إحدى العصابات عليه ليتبرّع بجزء من كبده لوالد (حياة) بسبب حاجة أسرته الملحّة للمال رغم اعتراض اللجنة الطبّيّة المشكّلة من وزارة الصحّة في البداية على استغلال جهل المتبّرع الشاب بالمخاطر التي سيواجهها في حياته، لكنّها توافق لاحقا بعد أن تسكب (حياة) دموعها أمام اللجنة، ويسلّط المسلسل الضوء على أساليب هذه العصابات في الاحتيال ومعظمها لها صفحات وهميّة في مواقع التواصل الاجتماعي، هذه الصفحات تغري الضحايا من المتبرّعين بالمال، وتستدرج المرضى حتى يقعوا في كمّاشتها. ويتمُّ كل ذلك بعلم أطباء متواطئين خانوا شرف المهنة، وعيادات، ومستشفيات تضع الربح هدفا لها. وهذه العمليّات تتمّ تحت الطاولة. وتتصاعد أحداث المسلسل، وتفشل جميع محاولات(حياة) للعثور على متبرّع بعد أن تبيع سيارتها، لتنقذ بثمنها (حياة) والدها الذي يتوفّاه الله دون أن تجد بغيتها، وحتى الشاب المتبّرع (سلطان) تقنعه بعدم خضوعه للعمليّة خوفا على صحّته.
وبعد وفاة والدها تنجح (حياة) بكلّ شجاعة في جعل قضيتها قضية رأي عام، وتروي ما جرى لها عبر فيديو نشرته في صفحتها، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ثمّ تتوجّه للجهات المختصّة، لتكشف عن هذه العصابات رغم أنّ القانون يعتبرها مذنبة؛ كونها تعاملت مع العصابات، وتمضي للمعتقل راضية، وتقدّم للمحاكمة بعد اعتقال أفراد العصابة، ويحكم القاضي ببراءة (حياة)، فيما تصدر أحكاما شديدة على أفراد العصابة.
لقد نجح المسلسل في مناقشة القضية من كلّ جوانبها من خلال طرح إنساني في نص محكم يخلو من الثغرات، وقد أبدعت الفنانة براء الزبيدي في أداء شخصية (حياة)، وكذلك الفنان أوس فاضل (رئيس العصابة) والكبيرين :عادل عباس وفوزية حسن إلى جانب فريق العمل: محمد إياد، وأساور عزت، ورنيم التميمي، فقد أجادوا في أداء أدوارهم في مسلسل جاء خاليا من التطويل المقصود، وفرش الأحداث الذي اعتدنا عليه في دراما تلجأ إلى مطّ الأحداث لتصل إلى الحلقة الثلاثين، فقد استعرض المسلسل هذه القضيّة الخطيرة في عشر حلقات فقط، وبلغة مرئيّة بليغة وجّه من خلالها رسائل عميقة، ليؤكّد صنّاع المسلسل أن دور الدراما هو وضع مشرط الجرّاح على جسد المجتمع لمعالجة أمراضه للنهوض به، وهذا ما يريده المتلقّي الحريص على مشاهدة أعمال ذات قيمة فنية، وأهداف الاجتماعية، تمسّ قضايا الواقع الذي يعيش ضمنه في وقت أدارت به الدراما ظهرها لمثل هذه القضايا، وتخلّت عن دورها التوعوي، والتثقيفي، فجاء مسلسل(بدل تالف) ليعيد لنا الثقة بالدراما مجدّدا.
