بين الألم والأمل..

15 مايو 2026
15 مايو 2026

نجد أنفسنا في كثير من الأحيان -ومن غير حول منا ولا قوة- نصطف حول بعدين لا ثالث لهما، مع أنهما متناقضان في مفهوميهما، ومتكاملان في نتيجتيهما، وهذان البعدان هما خط سير مسيرة حيواتنا كلها منذ البدايات الأولى لعمر التنشئة، حتى النهايات الأخيرة للحياة، ومن شدة هذا التناقض والتلاحم في خواتيم النهايات، فلا تنفك الصورة عن ملازمة ذلك، فهل لنا أن نتخلص من الشر دون الشروع في الخير؟ وهل لنا أن نغيب عن مخيلتنا رحلة الحياة التي يعقبها الموت؟ وهل يمكن تجاوز حالات السخط دون أن نفكر في الرضا؟ وإلى أي مدى يمكن أن نتحمل الفقر دون أن نسعى إلى الغنى؟ وكيف لنا أن نستمر دون أن نمر بتجربة الزعل؟ وهل يمكننا أن نعيش خارج دائرة الليل الذي يتعقبه النهار؟

قد يرى البعض أن ذلك كله ثنائيات متعددة، بناء على أنه ليس شرطا أن ينغمس الجميع في استحضار شيء من هذه الثنائيات؛ ولكن هناك آخر يرى أننا كلنا معنيون بهذه الثنائيات بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإن لم نكن نتألم في لحظة ما، فهناك من يتألم في ذات اللحظة وتربطنا به علاقة ما، وإذا كان الفقر يمر بأردية مهترئة على شخص من الناس ننعته بالكسل؛ فهذا الشخص منا ونحن منه، وإذا كان الموت -في لحظة قاسية- يغيِّب أحدا لا نعرفه، فإن هناك من نعرفهم كثيرا، وإذا ما كان ساخطا علينا، فنحن مطالبون بحملنا للرضى لإعادة شيء من التوازن.

صحيح جدا أن ليس في مقدورنا كأفراد أو كمجموعات أن نعيد في كل مرة تراتبيات الأحداث لكي تتوافق مع خط سير المتناقضين أو أحدهما، فذلك من باب المستحيل أصلا؛ لأن الحياة قائمة على ذات التناقض، ولا يمكن بأي حال من الأحوال محو أحدهما لصالح الآخر، ولكن يمكن وضع شيء من المقاربات التي تخفف من شدة قوة التأثير لأحد المتناقضين على الآخر؛ فالصدقة -يقينا- تخفف من قسوة الفقر، وقس ذلك على كثير من الأمثلة لبقية التناقضات، ولذلك يقال: لا تتحدث عن الغنى عند ذي الحاجة، ولا تتحدث عن الصحة عند ذي مرض، ولا تتحدث عن العلم عند ذي جهل، ولا تتحدث عن الرضى والتسامح عند ذي حانق أو معصب أو واقع في مأزق نفسي عميق، ولذلك فهناك من يقعون في إشكاليات الـ«موضوعية» وما يطلق عليهم المغردون خارج السرب؛ لأن التغريد داخل السرب يحتاج هو الآخر إلى شيء من الحنكة والدراية والذكاء.

نقول: «الأمل بعد الألم» لأن الألم هو الذي يخلق الأمل، فـ«الحاجة أم الاختراع» وليس العكس، والحصان هو الذي يجر العربة، وليست العربة هي التي تجر الحصان، ولذلك فاللحظات المؤثرة في حياتنا هي تلك اللحظات التي ترتقي فيها نفوسنا متحررة من الألم حالمة بالأمل، فهي تسجل لحظات فارقة في حياتنا، وليتخيل أحدنا عندما يحقق أملا ما بعد معاناة ما، كم تتسع له الحياة، ويرى فيها ذلك الأفق الممتد بلا نهايات، وهنا مقولة رائعة تسند إلى المناضل «تشي جيفارا» يقول فيها: «هذه الحياة لن تقف لتراعي حزنك، إما أن تقف أنت وتكملها رغم انكسارك أو أنك ستبقى طريحا للأبد» -انتهى النص- ولأننا مدمنون بحكم تجربة الحياة على محطات الأمل التي تعقبها محطات الألم، فإننا -يقينا- لا نحتاج إلى برامج منهجية لنوجد من خلالها فواصل زمنية لتحقيق الآمال بعد موجة الآلام، فلحظات الصدق مع النفس، وقوة العزيمة والتوكل على الله، كل ذلك كفيل بأن يساعدنا على الانعتاق من براثن الآلام لتحقيق الآمال في كل مشاريع حيواتنا التي نعيشها، وكما قال الشاعر العربي قديما: «من لا يحب صعود الجبال؛ يعش أبد الدهر بين الحفر» ولا يفترض كمن يقول: «أحيانًا نلجأ للنوم ليس طلبًا للراحة ولكن هربا من واقع يؤلمنا التواجد فيه».