رفع النجم العالمي ولاعب برشلونة لامين يامال علم فلسطين خلال احتفالات النادي بالتتويج بلقب الدوري الإسباني عقب فوزه في مباراة الكلاسيكو، ليحصد لقبه التاسع والعشرين في تاريخه. لم يكن هذا المشهد عابرا؛ فدلالة العلم واقترانه بنجم صاعد في واحدة من أكبر منصات كرة القدم يحملان رمزية تتجاوز الرياضة إلى فضاءات السياسة والإعلام؛ حيث شكّل لحظة لافتة في احتفالات ضخمة شارك فيها أكثر من 670 ألف شخص في شوارع برشلونة فضلا عن ملايين المتابعين عبر شاشات التلفزيون ومنصات الإعلام الرقمي.
ويعبر تضامن «يامال» ذي الأصول العربية (المولود لأب مغربي وأم من غينيا الاستوائية) مع القضية الفلسطينية والوقوف إلى جانب حقوق الشعب الفلسطيني عن إدانة واضحة لانتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان في فلسطين، خصوصا في أعقاب حربها الأخيرة على غزة وما خلّفته من سقوط آلاف الشهداء من الأطفال والكبار. كما يسهم هذا الموقف في تعزيز التعاطف مع القضية الفلسطينية، لا سيما لدى فئة الشباب الذين شهدت قناعاتهم تحولات ملحوظة، وأصبحوا أقل تأثرا بالسرديات التقليدية للإعلام، وأكثر ميلا إلى استقاء المعلومات والأخبار من منصات الإعلام الحديث التي تعكس في كثير من الأحيان جوانب من الواقع غير المزيف.
وفي السياق ذاته برزت خلال الأسبوع نفسه حادثة أوروبية أخرى عكست شكلا آخر من أشكال التضامن مع الفلسطينيين حين أعلنت هيئات البث في كل من إسبانيا وإيرلندا وهولندا وسلوفينيا مقاطعتها المشاركة في مسابقة يوروفيجن التي تستضيفها النمسا وتشارك فيها إسرائيل.
وكما حمل مشهد رفع العلم الفلسطيني في برشلونة دلالات رمزية عميقة؛ فإن المقاطعة الفنية لواحدة من أكبر المسابقات الغنائية في أوروبا منذ سبعينيات القرن الماضي تحمل بدورها رسالة لا تقل تأثيرا؛ فالفن كما الرياضة يشكل أحد أهم أدوات التأثير في وعي الشباب وتشكيل قناعاتهم، بل يمنح القضايا الإنسانية امتدادا يتجاوز حدود السياسة التقليدية.وبين رمزية المدرجات وصوت المنصات الفنية - كما تجلى في مشاهد الرياضة ومواقف المقاطعة الثقافية - تتشكل اليوم ملامح خطاب أوروبي شبابي جديد تتقاطع فيه المواقف الفردية والمؤسسية، ليعكس تحولات أعمق في إدراك الرأي العام، ويعيد تسليط الضوء على القضايا العادلة بوسائل أكثر انتشارا وتأثيرا. ولم تعد هذه التحولات مقتصرة على التعبير الرمزي أو الاحتجاجي، بل أخذت تتجسد في حراك شبابي متنامٍ داخل الفضاءات السياسية والفنية عبر مظاهرات منظمة ومواقف علنية رافضة للسياسات الإسرائيلية.
وفي هذا السياق يبرز دور جيل جديد من أبناء المهاجرين الفلسطينيين والعرب ممن ولدوا ونشأوا في دول الغرب، وحملوا جنسياتها، وتعلموا في مؤسساتها التعليمية، وأتقنوا لغاتها، واندمجوا بدرجات متفاوتة في مجتمعاتها، بل ارتبط بعضهم بعلاقات اجتماعية وأسرية ممتدة مع السكان المحليين. وقد أسهم هذا الامتداد في نقل الرواية الفلسطينية إلى الداخل الغربي بلغة أقرب وأكثر تأثيرا، وهو ما انعكس في تنامي التعاطف مع القضية الفلسطينية داخل هذه المجتمعات. والأهم من ذلك أن بعض أبناء هذا الجيل بدأ يشقَّ طريقه إلى العمل العام، ووصل عدد منهم إلى مواقع مؤثرة داخل الأحزاب السياسية بما يعزز حضور هذه القضية في دوائر صنع القرار، ويدفع باتجاه إعادة صياغة المواقف التقليدية داخل المشهد الأوروبي، كما أن بعضا من أبناء المهاجرين بات من المؤثرين في مجتمعه الأوروبي، وأسهم في تغيير الصورة النمطية الفلسطينية مع الرجل الأوروبي، وهذا ما ساعد في زيادة إعداد المناصرين لقضية فلسطين.
وأستحضر هنا ما طرحه المفكر العربي المصري عبدالوهاب المسيري في موسوعته الشهيرة حول اليهود واليهودية والصهيونية التي تعد من أضخم الأعمال الموسوعية العربية؛ فقد ربط المسيري بقاء إسرائيل بتآكل الدعم والتأييد الغربي الأوروبي والأمريكي، سواء على المستوى المالي أو العسكري أو السياسي، وربما ما نشهده اليوم من مؤشرات على خفوت بعض مظاهر هذا الدعم، لا سيما في المواقف الأوروبية، يفتح المجال لإعادة قراءة بعض أطروحاته وأطروحات المفكرين الآخرين ممن يرون أن تراجع الدعم الغربي سوف يؤثر في ضعضعة المواقف الإسرائيلية، ويجبرها على تعديل أو تغيير الكثير من سياساتها التي تمارسها ضد الفلسطينيين وضد جيرانها من الشعوب العربية.
قد لا تبدو التحولات التي استعرضتها آنية الحدوث؛ فقد يمتد بها الوقت كي تؤتي أكلها ربما تمتد لأجيال قادمة، لكنها من وجهة نظري ستأتي في يوم من الأيام، ليزداد عدد المؤيدين والمناصرين للقضية الفلسطينية على مختلف المستويات الشعبية والرسمية.
فإسرائيل بما تمارسه من سياسات قمعية في فلسطين تسهم بنفسها في تدمير صورتها لدى المجتمع الغربي، وتقدم نفسها عدوا ومغتصبا، وفي المقابل يظهر في العالم الغربي جيل من الشباب بات ينظر إلى فلسطين والفلسطينيين على أنها قضيته، وأن الدفاع عنها لم يعد خيارا، بل موقفا إنسانيا، ومن هنا تبدأ مرحلة التحول الغربية الأوروبية نحو الاعتراف بالذنب الفلسطيني ومحاولة التكفير عنه.