No Image
إشراقات

فتاوى :يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان

05 فبراير 2026
05 فبراير 2026

المال الذي يوضع لأجل الاستثمار لمدة من السنوات، وصاحب المال له أن يأخذ من ماله متى ما شاء قبل المدة المحددة بثلاثة أشهر؛ هل تجب الزكاة في هذا المال؟

نعم، مثل هذا المال إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول استقلالا أو مع سائر الأموال التي يملكها صاحبها فإن الزكاة واجبة فيه؛ وذلك لأنه داخل في ملكه بعلامة قدرته على التصرف فيه، فهو كما ورد في السؤال قادر على أن يسحب هذه الأموال من المصرف، وهو متمكن من استعمالها وإن كانت في تثمير لدى هذا المصرف الذي ترك أمواله فيه، وبناء على هذا فإن الزكاة واجبة في هذا المال، وتسري عليه أحكام الزكاة المعروفة، أي من حيث المقدار واشتراط حولان الحول كما تقدم استقلالا أو مع الأموال التي تكون عنده في مصارف أخرى أو في يده.

وقد يختلف الحكم إذا كان لا يستطيع سحبها، إلا بعد سنوات في مثل هذه الأنواع من وجوه التثمير التي تكون في المصارف الإسلامية، فإن كان المال مثمرا فلا وجود له؛ لأن المصرف قد استعمله في شيء من المضاربات الشرعية الموافقة لأحكام الشريعة الإسلامية. فهذا المال لا وجود له من حيث كونه نقدا تسري عليه أحكام الزكاة، وإنما ينظر فيه باعتبار ما آل إليه هذا المال من نوع المشاريع وطرق التثمير التي جُعلت فيه.

ومعلوم أن المصارف الإسلامية تستعمل هذه الأموال التي يتركها أصحابها فيها على جهة التثمير في وجوه موافقة لشرع الله تبارك وتعالى، فيسري عليها ما يسري على المال المستعمل في التجارة. فإن كانت هذه التجارة في تجارة المنافع على سبيل المثال فإن الزكاة تكون في عوائدها وغلاتها لا في أصولها؛ لأن الأصول إنما هي ثابتة والتجارة تسري على المنافع. وإذا كانت هذه الأصول هي التي تُقلب وتباع وتُشترى وتُعرض في الأسواق فإن الزكاة تسري على الأصول؛ على رأس المال، وعلى العوائد المتحصلة منها. وإذا كانت هذه الأموال مستعملة في شيء من الأوراق النقدية أو في السيولة كالأسهم والصكوك، فإنها أيضا بحسب ما تمثله في هذه الأسهم والصكوك من منافع أو من تجارة في الأعيان نفسها، وهكذا بحسب نوع الاستثمار، والله تعالى أعلم.

رجل باع شاة إلى آخر ورفع سعرها إلى ما يقارب النصف من سعر الشاة؛ لأنها حامل بتوأم في بطنها، فهل يصح هذا البيع أم أنه من الغرر المحرم؟

لا. إذا بيّن أن الشاة حامل فلا حرج عليه في هذه الحالة أن يتفق مع المشتري على السعر الذي يتراضيان عليه إن كانا -أي البائع والمشتري- بالغين عاقلين، وأتما الصفقة برضا منهما. فإن كان قد بيّن وكشف له أن في بطن هذا الحيوان حملا، فرفع السعر من أجل ذلك فلا يحرم عليه هذا، وليس هذا من الغرر ولا هو من الغش، بل هذا لا يكاد يوجد فيه خلاف. الخلاف على الصحيح في الصورة التي لم يُسأل عنها، وهي أن يبيع ثم يستثني الحمل في بطن الحيوان، هل هذا جائز أم لا؟ أما أن يبيع الحيوان وفي بطنه حمل؛ يبيع الإناث من الحيوان وفي بطونها حمل أو هي حبلى فهذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في أن يستثني الحمل -أي أن يبيع الشاة في مثل هذه الصورة مع استثناء الحمل-: ففي المسألة أقوال: قيل لا يجوز ذلك، ليس له أن يستثني الحمل، وقيل بجواز ذلك. وعلى القول الأول، أي الذي لا يرى الجواز قيل بإبطال الشرط وصحة العقد، وقيل بإبطال العقد نفسه، والمسألة فيها أقوال أشهرها الأقوال المتقدمة، ولا حاجة إلى بيان الراجح الآن، والله تعالى أعلم.

نريد أن نفرق بين مسألتين على الرغم من أن العلل متقاربة، وهو نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع غلال النخيل، أو يعني الثمار قبل بدو صلاحها أو قبل أن تزهر، واحتمالية حصول كارثة مثلا أو ما يؤدي إلى عدم الانتفاع من التمر، ومسألة بيع الحمل؟

مسألة بيع الحمل استقلالا هذه هي التي تشبه مسألة بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وخلصنا إلى ثلاث مسائل: المسألة التي هي محل السؤال، وهي مسألة بيع الحيوان وفي بطنه حمل، وتقدم الجواب أن ذلك جائز لا حرج فيه، وأن رفع السعر بسبب الحمل لا إشكال فيه، والزيادة في القيمة عن مثلها سببها الزيادة في هذا الحيوان بسبب الحمل، لكن الحياة ليست متحققة إلى الآن، فالزيادة في السعر إنما هي لأجل ما زاد في الحيوان مما هو ظاهر.

الصورة الثانية: هي أن يستثني الحمل، وقلت بأن أشهر الأقوال فيها قولان: المنع والجواز، وعلى القول بالمنع قيل يصح العقد ولا يبطل، وقيل ببطلان الشرط والعقد معا.

الصورة الثالثة: هي التي تشبه هذه الصورة، هي بيع الحمل، هل يصح بيع الحمل؟ فأكثر أهل العلم على المنع أنه لا يصح، والقليل منهم رأى الجواز، والعلة أنه أمر غيبي مخفي لا تُعلم حياته ولا يُعلم هل يحصل، واختلف في توجيه النهي نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -عليه الصلاة والسلام- عن بيع حبل الحبلة -الحبلة جمع حابل وهي الحامل-؛ فمنهم من يقول إنه ولد ناقة، ومنهم من يقول إنه ما ينتجه هذا النتاج إذا كان البطن الأول أو البطن الثاني، وعند من يرى بأنه البطن الثاني فهو أيضا يحمل نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضامين، -المضامين جمع مضمون، وهو ما كان في داخل بطن الأنثى-، فيقول إن المنع إنما هو ناشئ عن هذا النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بعضهم يجمع هذه الأدلة؛ ولذلك قلت إن قول الجمهور بلا مبالغة، ليس قول الأكثر فقط مع وجود أقوال بأنه يصح بيع الحمل استثناء منفردا مستقلا قال به عدد من المتقدمين، وقال به بعض المعاصرين، لكن الجمهور على المنع، وشبّه ذلك بمثل النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وعن العنب حتى تشتد -أي حتى تسود الحبة-، فجعلوا ذلك من باب المجاهيل، وأن فيه غررا ظاهرا، وقد يكون فيه غبن كبير، فمنعوا منه، ولكن السبب الظاهر هو ما ورد في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من نهي، والله تعالى أعلم.

ما حكم من يقوم باتهام والدته بالسرقة من أموال الميراث كي يحصل على ميراث والده بالكامل وحرمان الأم وبقية الورثة مع العلم بأن الأم لم تقم بالسرقة أو أخذ شيء من الميراث؟

هذا النوع من الاتهامات من العقوق وافتراء الباطل والبهتان الذي يُنسب إلى الأم، ولو أنه نسب ذلك إلى عموم أفراد المسلمين لكان أمرا عظيما، فكيف وهو ينسبه إلى أمه التي حملته كرها ووضعته كرها، وسهرت الليالي، وآثرت راحته على راحتها وصحته على صحتها، وضحت بما تملك من أجل تربيته وتنشئته، وقلبها مملوء حبا وعاطفة له، ثم بعد ذلك يكون جزاؤها أن تجد منه مثل هذه الاتهامات بالباطل والعقوق، وترك ما أمره الله تبارك وتعالى به في حق أمه على وجه الخصوص.

فحينما سُئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عن أحق الناس بالصحبة قال للسائل: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، ثم قال: أبوك، فكيف يفرط المسلم العاقل في مثل هذه الأحكام الشرعية التي يترتب على التفريط فيها سخط الله تبارك وتعالى، والنكد والتعاسة في الحياة الدنيا، والخسران في الآخرة إن لم يتدارك الإنسان نفسه؟!

فعلى هذا الذي وقع في مثل هذا أن يتوب إلى الله تبارك وتعالى، وأن يحسن إلى أمه، وأن ينفي عن نفسه هذه الأوهام والوساوس، وأن يكف عن هذه الاتهامات الباطلة، وإن كان هناك شيء من سوء الفهم في الأسرة فيما يتعلق بشيء من الميراث فإن الأفضل فيهم هو الذي يؤثر غيره من الورثة على نفسه، ومن يقدمهم في الاختيار على نفسه، لا هذا الذي يتهمهم بالباطل، فكيف باتهام أمه والعياذ بالله، لهذا هذه مسألة خطيرة إن لم يتدارك هذا المرء نفسه منها بحسن المتاب وصادق الأوبة إلى الله تبارك وتعالى، والله تعالى المستعان.

شخص متهم اجتماعيا بأنه «عيّان»، هو عبّر عنها «بعين الفرح»، وهذا يعني أنه إذا وُجّهت له دعوة إلى مزرعة أو إلى مكان معين قد يصدر منه ضرر، فطبعا يقول إن هذه التهمة مؤذية للمتهم، ودائما ما تكون بسبب تحيز التوافر كما يسميها المناطقة، يعني أشياء ربما أخبار تتداول هنا وهناك قد لا تكون حقيقية في الواقع، المهم هو أنه الآن يسأل: ما نصيحتك للأطراف كلها؟

اتهام الناس جزافا مما لا يصح شرعا، وقد يعرض المسلم نفسه للخطر إن رمى غيره بما ليس فيه. نعم، ومن باب أولى أن نشر ما يقع في نفسه من مثل هذه التصورات، والمؤمن مطلوب منه في كل الأحوال أن يُحصّن نفسه بكثرة ذكر الله تبارك وتعالى، وبالإتيان بالأوراد الثابتة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مما يحفظ به نفسه وماله وأهله، وليس له أن يجعل من الظن يقينا، وأن يرتب على ظنونه -خصوصا إن كانت ظنونا سيئة لا تقوم على أدلة- أحكاما في تعامله مع الآخرين.

وهذا لا ينفي أن يكون بعض الناس عائنا لغيره، هذا مما لا يُنكر، ولذلك تعرض أهل الفقه لأحكام العائن، لكن إثبات أنه ذو عين حاسدة أو ذو عين فرح كما يقال، هذا يحتاج إلى أدلة وبراهين، لا يمكن أن يُرمى الناس بهذه التهمة جزافا، وأن ينتشر هذا في المجتمع، فيتقاذف الناس مثل هذه التهم، وتضيع بينهم المودة والأخوة وأواصر القربى، وتنشأ المشاحنات والعداوات.

نعم، بل كما تقدم على المسلم أن يُحصّن نفسه بذكر الله تبارك وتعالى، وباختيار الأوراد المناسبة في الأوقات الصحيحة، وأن يؤمن بقضاء الله تبارك وتعالى ويرضى بقضائه وقدره جل وعلا، كما أن على المؤمن أيضا إن علم أو وقع في نفسه أنه عائن لغيره؛ أنه مبتلى بالعين يصيب غيره بالعين، مطلوب منه أن يكثر من ذكر الله تبارك وتعالى، وأن يُبرّك، أن يدعو بالبركة لغيره فيما يراه وما يسره منهم، أن يكون كثير الذكر، وأن يستحضر هذه الأذكار والدعاء للآخرين في كل ما يراه وما يسمعه عندما يستبشر بأمر عندما يرى شيئا جديدا، وأن يؤدي إليهم حقهم إن طلبوا منه أن يغتسل لهم؛ لإزالة آثار العين كما ورد في السنة، فإن استُغسل فليغتسل لهم، ألا يربأ ولا يأنف من ذلك.

نعم، ولكن عليه فعلا أن يكثر من ذكر الله تبارك وتعالى، وأن يدعو لغيره، وأن يستل من نفسه أي سخيمة، يمكن أن تكون سببا لأن يُبتلى بعين غيره، أي أن يصيب غيره بالعين، وأن يحب ما يفتح الله تبارك وتعالى للناس من رزق أو خير، وأن يحب ذلك لهم كما يحبه لنفسه، أن يحب لهم الخير، أن يحب لهم الرزق والصحة ووجوه النعم والآلاء، أن يحمل نفسه على ذلك، أن يحمل قلبه على ذلك، وكما تقدم، عليه أن يكون كثير الذكر والدعاء لغيره، كثير ذكر الله تبارك وتعالى والدعاء لغيره بالخير وبزوال هذه الآفة عن نفسه، وأن يؤدي إليهم حقهم إن طلبوا منه الاغتسال، أما إذا لم يُجدِ ذلك، وثبت أو علم هو من نفسه أنه صاحب عين، فنعم، نبه الفقهاء على أن الأولى له أن يقلل من خلطته للناس، والله تعالى أعلم.