فتاوى :يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
29 يناير 2026
29 يناير 2026
في قوله تعالى: ﴿وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أُعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون﴾، هل التكذيب هنا يقتصر على الإنكار المطلق، أم يشمل أيضا الاستهانة به وعدم العمل؟
هذا سؤال مهم، ومعنى دقيق لا ينتبه له كثيرون، سواء ما ورد في هذه الآيات الكريمة من سورة السجدة أو في مواضع مشابهة، والصحيح، وهو الذي تنبه له عدد من حذاق العلماء، منهم الشيخ العلامة ناصر بن أبي نبهان، أن التكذيب لا يقتصر على رد الظاهر، وإنما يشمل تكذيب العمل للقول.
يشمل مخالفة العمل للقول الذي يدعيه هذا الإنسان، هذا المعنى نصّ عليه الفراء، من أوائل المفسرين، في كتابه معاني القرآن، في تفسيره لسورة الليل، في قول الله تبارك وتعالى: ﴿لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى﴾، فالفراء قال: إن هذا الذي كذب وتولى في هذا الموضع، يعني في تفسيره لهذه الآية الكريمة، قال: ليس التكذيب برد ظاهر الحكم، وإنما التكذيب بعدم الإتيان ما أُمر به من طاعة الله عز وجل.
فالتقصير في العمل، والتقصير فيما فيه طاعة الله عز وجل، جعله من التكذيب، واستشهد لذلك بلغة العرب، فيقولون إن فلانا، أو بني فلان، يعني ينقل هو عن رواية سمعهم، ونحن نتحدث عن الفراء الإمام، يعني من الكوفيين، وتفسيره هذا معاني القرآن يعد من أفضل المراجع في التفسير، وفي النحو، المدرسة الكوفية، وفي لطائف معاني كتاب الله عز وجل.
وهو يقول إن التكذيب هو ردّ التقصير فيما فيه طاعة الله تبارك وتعالى، فنقل عن بعض الروايات أنهم يقولون: بنو فلان جدّهم لا أكذوبة له، أي أنهم إذا أصابتهم، إذا أتاهم ما يدعوهم إلى الحرب، فإنهم يصدقون المواقف، ويعني أيضا نقل أن العرب تقول: إن فلانا، أو بني فلان، سواء نُسب إلى فرد أو إلى جماعة، يقولون: لا أكذوبة لهم، أو جدهم لا أكذوبة له، أو لا كذب فيه، معنى أنهم صدق عند اللقاء.
فاللغة الدارجة عندنا في استعمال الأسلحة، إذا لم تخرج الرصاصة من السلاح، يقولون: كذب، إلى الآن، وهذا المعنى في اللغة صحيح أيضا، وهو الذي نقله الفراء عن لغة العرب، ومثل هذا المعنى استشهد له الفراء بقول الله تبارك وتعالى: ﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾، أي إنها حق واقع، ليس هناك ما يصرف وقوعها، فجعل الوقوع حقا يقابل الكذب، فقال: ﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾.
وقد ذكرت في الجواب السابق سورة الماعون، الخلال المذكورة في التكذيب بالدين لا تتعلق بالجانب العقلي، لا تتعلق بجانب رد ظاهر الخبر، وإنما تتعلق بأعمال، قال: ﴿أرأيت الذي يكذب بالدين﴾، ما صفة هذا الذي يكذب بالدين؟ فقال: ﴿فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين﴾، ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون﴾، كل هذه خصال عملية، خلال، ولكن الله تبارك وتعالى سماها تكذيبا بالدين.
فعلى هذا يجب أن يُنتبه لمثل هذه المعاني في كتاب الله عز وجل، وأن تُستحضر عند تلاوة مثل هذه الآيات التي فيها وعيد، فحصرها في معنى من يكذبون بمعنى الشرك، بمعنى رد ظاهر الخبر وعدم التصديق به وعدم الإيمان، فإنه يُغفل معنى نص عليه المتقدمون من المفسرين، وانتبهوا إليه ولم يهملوه، وهو جانب التقصير في طاعة الله تبارك وتعالى.
وهذا لا يعني أن يقتصر المعنى على هذا المعنى دون المعنى المتقدم، بل هو يشمل المعنيين، يشمل ما يتعلق بالتصديق والتكذيب، أي عدم الإيمان والجحود والنكران، كما يشمل التقصير والإخلال في طاعة الله تبارك وتعالى، بدليل مثل هذه الآيات التي تقدم ذكرها، وبالاستعمال في اللغة العربية، وبما نص عليه عدد من المفسرين، وأول من ذكر ذلك حسب اطلاعه هو الفراء، وقد تنبه إلى ذلك أيضا من علمائنا الشيخ ناصر بن أبي نبهان، والله تعالى أعلم.
كيف نتحقق من صحة الحديث النبوي؟ وهل هناك مراجع معينة، مثل الحديث: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين»؟ فالمهم قد يكون هذا مثالا، لكن المنهجية: هل يتاح لكل إنسان أن يحدد أن هذا الحديث صحيح أم لا باستخدام الأدوات المنهجية هذه، أم هو عمل تخصصي محض، يعني لا يُسند إلا لأولئك الذين بلغوا شأنا متقدما فيه؟
هو عمل أو علم يتقنه أهل الاختصاص والدراية به، فالمصطلحات المستعملة إن كان لا يضبطها ولا يعرفها، فكيف يمكن له أن يستخلص الحكم على حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن كان لا يعرف أحوال الرجال، والأوصاف التي تُستعمل في تبيين الرجال وتمييزهم، أي الرواة للحديث، فكيف يمكن له أن يخلص إلى نتيجة صحيحة.
فلا هو بعارف لمصطلح الحديث، ولا لعلم الرجال، ولا لوازم هذه الصنعة الحديثة، وهي درجة متقدمة من العلوم الشرعية، ولذلك لم يستطعها كثير من الفقهاء الذين اشتغلوا بالفقه؛ لأنها تحتاج إلى صبر، وإلى حفظ، وإلى ملكات، وتحتاج إلى تتبع كبير، صحيح أن هذا اليوم قد أصبح أسهل بحمد الله تبارك وتعالى بما أُتيح من وسائل إلكترونية، وبرامج وتطبيقات تُعين الباحث على الوصول، لكن أن يكون خلوا من العلوم والمقدمات التي يحتاجها للدخول في هذا الفن والعلم، فهذا غير صحيح، ويكون ممن يتسور هذا العلم أو يقفز عليه بجهل، ولذلك ستجد أنه يأتي بأخطاء ويأتي بطامات عند أهل الاختصاص، وهذا رأيناه فيما هو أهون من علم الحديث، يعني حتى في علوم اللغة نفسها، تجد أنهم يأتون بغرائب وعجائب لم يقل بها أحد من المتقدمين، ولا تشهد لها شيئا من الأدلة والبراهين، ولا أساس لها ولا مستند، مع أنها قد تعجب السامعين، وقد يظنون أنها تستند إلى أصول، وهي ليست كذلك أبدا عند أهل الاختصاص.
فتكون النتيجة أن تُبنى عليها، أن تستخلص منها نتائج غريبة بعيدة عن قواعد اللغة وضوابطها ومعانيها، ثم يزداد الأمر سوءا بأن يُحمل عليها كلام الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، وكذا الحال فيما يتعلق بعلوم السنة.
أما أن يستعين بشيء من المصادر والمراجع المتخصصة التي صُنفت، مثلا، في تمييز الأحاديث الضعيفة والمنكرة، أو في الأحاديث الصحيحة المقبولة، أو في شيء من المواقع المعروفة المشهورة التي يعتمد عليها طلبة العلم فيما يتعلق بفضائل الأعمال لأجل نفسه، فهذا لا حرج فيه، يمكن اليوم، لأن هناك بحمد الله تعالى الكثير من المواقع والبرامج والتطبيقات التي تعرفه بأحكام كثير من الروايات، لكن ينبغي أن يكون ذلك فيما يقتصر فيه على نفسه، فيما لا يترتب عليه، يعني فيما هو من فضائل الأعمال.
وإلا فالأصل أن يلجأ إلى أهل الاختصاص والدراية، وليست المسألة أيضا في هذه القضايا أن يثبت حديثا، فإذا به يسارع إلى أن يبني عليه حكما؛ لأنه قد توجد روايات أخرى معارضة، وهو لا يتقن أيضا ما يتعلق بالتعارض والترجيح بين الأدلة المتعارضة، لا يعرف أصول الفقه، لا يعرف كيف تُبنى الأحكام الشرعية من أدلتها، وكيف يُوفق بين المتعارض منها، وكيف يُرجح إن لم يمكن التوفيق، فيأتي إلى رواية واحدة، وإذا به يبني على تلك الرواية النتيجة، وينتحل ذلك القول ويرجح، في حين أنه قد غابت عنه أدلة أخرى قد تكون أقوى من ذلك الدليل، وقد تكون مخصصة لذلك الدليل، أو مقيدة لإطلاقه، أو قد تكون ناسخة له.
فهذا أيضا لا يعني أن يأتي إلى هذه المواقع التي تبين درجات الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيأخذها كما هي، ويبني عليها ما يُخطئ به الناس، أو ما يقيم عليه المحاضرات والخطب والمواعظ، وإنما قلت: فيما يتعلق بفضائل الأعمال، فيما يتعلق بأذكار، إلى أن يتثبت أيضا ويتأكد من أهل العلم والاختصاص، هذا واسع، أما فيما سوى ذلك فالأمر فيه حرج.
وقِس على هذا، إذا كان بعض الناس يظن بأن في هذا احتكارا، فقِس على هذا سائر العلوم: لو أن مريضا، أتى فقط إلى شيء من كتب الطب، وإذا به يجرب في نفسه، فإن أحدا لا يحمده على هذا الفعل، بل يذمه، لأنه يمكن أن يُفضي بنفسه إلى الهلكة، والعياذ بالله؛ لأنه لا يعرف هذه المصطلحات، ولا القواعد، ولا الاعتبارات التي يجب أن تُراعى لتشخيص الداء، ثم لوصف الدواء المناسب، وللاعتبارات الشخصية التي تناسب وتلائم حالته الصحية، لا يعرف القواعد الحاكمة لهذه المهنة.
ويقاس على ذلك سائر العلوم والمعارف، ولكن علوم الشريعة أخطر منها، لأنها تتعلق بدين الله عز وجل، تتعلق بالعبادات، تتعلق بهداية الناس أو إضلالهم، نسأل الله تعالى السلامة.
