فتاوى :يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
22 يناير 2026
22 يناير 2026
هل يتقبل الله الأعمال من غير المتقين الذين لا يقيمون وزنا للتقوى في حياتهم، أم أن الله يتقبل من المتقين دون غيرهم؟ وهل تُحبط الأعمال حال مقارفة الذنب؟ وهل يُجدد العمل عند التوبة النصوح؟
أما الذين لا يقيمون للتقوى وزنا، فهل يتقبل الله تعالى منهم، وهو القائل: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾؟ والذين لا يقيمون للتقوى وزنا، فهذا يعني أنهم لا يتجنبون سخط الله تبارك وتعالى، فيأتون ما يسخطه ويتركون ما يرضيه، ويعرضون عن أمره، ولا يخشونه حق الخشية، فهؤلاء لا يُقبل منهم، وكتاب الله عز وجل صريح في الدلالة على أن الله تبارك وتعالى أمر بالتقوى، وبيّن أنه كما في الآية المتقدمة: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾.
أُمرنا بالتقوى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله﴾، وأثنى على المتقين وبيّن أنهم هم الذين ينتفعون من هدايات وحيه الذي أنزله على عبده محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ﴿هدى للمتقين﴾، فكيف بعد ذلك يمكن أن يتصور أحد أن يكون بعيدا عن تقوى الله عز وجل، غير ملتفت للتقوى ولا مقيم لها وزنا كما ورد في السؤال، ثم إن الله عز وجل يتقبل منه عمله؟ هذا لا يستقيم.
ولكن حتى لا يتعجل الناس في الفهم أو في التنابز بالألقاب، هذا لا ينفي أن يقع أهل التقوى في شيء من الزلات، بل إن القرآن صريح في أن بني البشر، عدا الأنبياء والرسل المعصومين عليهم الصلاة والسلام، عرضة للزلل والخطأ، فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾، والآية السابقة: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين﴾، ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾، ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾، فذكر أنه يمكن أن تقع منهم الزلة، وأن يرتكبوا شيئا من الخطأ، لكنهم سرعان ما يتوبون إلى الله تبارك وتعالى، ويتوبون مما أتوا، ويستغفرونه جل وعلا، ويتذكرون ويعاهدون الله عز وجل على التوبة النصوح، هذا هو شأن المؤمنين.
فلا يتعجل أحد إذا ارتكب أخ له شيئا من الأخطاء أو وقع في شيء من الزلل أن يسمه بهذا الوصف، بل ينبغي أن يذكره بالله تبارك وتعالى، وأن يدعوه إلى التوبة، وأن يعينه على الخلاص مما وقع فيه، وأن يكون عونا له على الشيطان، وألا يعين الشيطان عليه.
فإذا كان هذا من باب التنبيه، أما ما يتعلق بالإحباط، فنعم، الكبيرة تُحبط العمل، وهذا تشهد له أدلة أيضا من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالله تعالى ينهى عن رفع الصوت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبيّن أن عاقبة ذلك أن تحبط أعمالكم، يعني تُمحى الأعمال السابقة تحبط ثوابها، والحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيّن أن هذه الكبائر تُحبط العمل، قال: فإن تاب جُدّد له العمل، أي يُدعى إلى أن يتوب، فإذا تاب جُدّد له ثواب هذا العمل.
والله تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾، فدل على أن المنّ والأذى يُبطل ثواب هذه الصدقات، إذ ورد في النهي عن رفع الصوت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم﴾، وفي الصدقات قال: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾.
طائفة من المفسرين يقولون في تفسير سورة الماعون إنها ليست خاصة بأهل الشرك، ومنهم من يقول بأنها سورة مدنية، ومع ذلك فإن عددا ممن يرون أنها سورة مكية يقولون بأن معناها لا يقتصر على أهل الجاهلية وأهل الشرك، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون﴾.
فهذه بعض الأدلة الدالة على أن الكبائر تُحبط ثواب العمل، لكنه إن تاب فإن ثواب العمل يُجدد له، فالرياء كما ثبت أيضا في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُحبط العمل، فإن تاب جُدد له العمل، وإنما الخلاف في بعض الأعمال، وهل يعني من حيث الإجزاء، لأن هذا قد يدعونا إلى قضية هنا مهمة، وهي أن بعض الناس يأتي شيئا من الكبائر، فيظن أنه بإتيانه لتلك الكبيرة وإحباط عمله، فإنه لا حاجة له إلى مزيد من إتيان ما أمر الله عز وجل به، وأن له أن ينغمس، وهذا غير صحيح، هذا إحباط نفسي، وهذا استجابة لوساوس الشيطان، وازدياد في البعد عن الله تبارك وتعالى، وهو القنوط، بل هي من وساوس الشيطان التي تدعوه إلى مزيد من الانغماس والاستدراج، هذا هو الزلل الذي يحدثه الشيطان والنفس عند الإنسان، أي أن ينزل في درجات، في دركات المعصية بمثل هذه الأوهام.
الصحيح أن المسلم، كما ذكر الله تبارك وتعالى: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾، وقال: ﴿إلا الذين يتوبون من قريب﴾، فعليه أن يبادر إلى التوبة، إتيانه بما أمر الله عز وجل به يبرئ ذمته، ويحقق له الإجزاء، فبتوبته لا يُلزم بشيء على خلاف ذلك الذي يترك الفرائض تهاونا، واستمراء للمعصية، فإنه سيؤمر بقضاء تلك الواجبات التي عليه من صلاة واجبة، ومن صيام مع الكفارات، وإذا كان قد فرّط في حقوق لله تبارك وتعالى أو في حقوق العباد، فإنه يؤمر بأدائها، ويُلزم بذلك.
والعاقل لا يريد أن يجمع على نفسه هذه الآثام والظلمات، والعياذ بالله، وإنما يتعلق دائما بالرجاء أن يتخلص مما هو فيه، وأن يسير على الصراط المستقيم، وأن يهتدي بهدي الله تبارك وتعالى، وأن يكون من أهل التقوى، فهذا يبيّن الفارق الكبير بين من يستمرئ المعصية ويظل فيها، وبين الذي ينتبه ويتوب إلى الله تبارك وتعالى ويتدارك نفسه، لأن الأعمار بيد الله عز وجل، فهو لا يدري متى تُقبض روحه، ومتى ينتهي أجله وينتقل إلى الدار الآخرة، فعليه في كل أحواله أن يكون مراقبا لله عز وجل، متقيا له، والله تعالى أعلم.
هل نزع شعر الأنف أو قطع جلد الشفاه بالأسنان يؤثر على الوضوء؟
هذه من الأمور التي لم يرد فيها ما يدل على أنها مما ينقض الوضوء أو مما لا ينقض الوضوء، فالحديث ليس عن خروج دم بهذه الأفعال، وإلا فإن خروج الدم ناقض للوضوء على الصحيح، ولذلك اختلف فيها أهل العلم: هل هي مما ينقض الوضوء أو لا يترتب عليها أثر، خاصة إذا كان في شأن قطع الجلد، سواء كان من الشفاه أو كان من أي موضع من البدن، إذا كان هذا الجلد ميتا، فهل ينقض الوضوء، خلاف.
والظاهر أنه لا يفضي إلى نقض الوضوء، لعدم الدليل الدال على أنه من نواقض الوضوء، إذا نحن تأملنا في نواقض الوضوء سنجد أنها تستند إلى أدلة شرعية بينتها سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفصلتها، وليس منها نزع الشعر أو إزالة أي شعر ميت أو قصّ شعر يجوز قصه، أو إزالة جلد، لا سيما إن كان ميتا، والله تعالى أعلم.
