No Image
إشراقات

الإسـراء والمعـراج.. قـراءة فـي سنـن اللـه زمـن الانكسـار

22 يناير 2026
كتب - ماجد بن حمدان الندابي
22 يناير 2026

في كل عام والمسلمون يتفيؤون ظلال مناسبة الإسراء والمعراج تقوم هذه المناسبة بإعادة ضبط بوصلتنا باتجاه المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، في دلالة أبدية تؤكد قدسية هذا المكان، وأهميته في الوجدان الإسلامي، ولو عملنا مقاربة تأملية نستشرف فيها المستقبل من خلال أحداث الماضي وهو الزمن الذي حدثت فيه هذه الحادثة والأوضاع العامة التي كان يعيشها الرسول صلى الله عليه وسلم، وما هو عليه حال المسلمين اليوم، من ضعف وتشتت ومعاناة لويلات الحروب، لوجدنا أن الباعث لوقوع هذه الحادثة العظيمة متشابه ومتقارب.

فحادثة الإسراء والمعراج لم تأت في زمن قوة ظاهرة، للرسول وأتباعه من المسلمين، ولا في لحظة انتصار مادي، بل جاءت في أكثر المراحل قسوة ووحشة في مسيرة الدعوة، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان مثقلا بالأحزان، وكان منهكا من صدود القريب قبل البعيد، وقد خذلته الأرض بما عليها من بشر، حتى ضاقت به مكة، وأوصدت في وجهه أبواب الطائف، وعاد منها مثخن القلب وجسده الشريف مغطى بالدماء، حتى دعا بذلك الدعاء الذي يمثل غاية التسليم لله عز وجل حينما قال: «إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي» شارحا حالة الصدود العامة للدعوة الإسلامية رافعا شكواه إلى الله عز وجل ومعترفا بضعفه وقلة حيلته فقال: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني، أو إلى قريب ملكته أمري، في ذلك الظرف، حيث يبدو المنطق البشري عاجزا عن تفسير الاستمرار، كان الوحي يعد لحدث يتجاوز المنطق، ويخاطب ما هو أعمق من الأسباب.

وحين نتأمل واقع الأمة اليوم، لا يسعنا إلا أن نشعر بتلك المشابهة المؤلمة، تشابه لا في التفاصيل، بل في الإحساس العام، كالإحساس العام بالضعف، والانتظار الطويل لبلوغ مرحلة النص وتحرير المسجد الأقصى من أيدي اليهود الغاصبين، وتراكم الجراح على إخواننا المرابطين في فلسطين، وغيرها من الأقطار الإسلامية، وغياب الأفق الواضح، والأزمات السياسية العالمية، وانكسارات أخلاقية في العالم أجمع، وصراعات الداخلية بين الشعوب أنفسها، فقد أصبحت الأمة الإسلامية في أردى حالاتها، ولكن مع وجود هذه الذكرى العظيمة لحادثة الإسراء والمعراج يدرك المسلمون أن سنن الله أوسع من أعمار الأفراد والجماعات، فكل جيل من أجيال الأمة الإسلامية يؤثث ويهيئ الجيل الذي يليه، فهي مسيرة متراكمة، كما ينبغي على المسلمين اليوم أن يوقنوا أن الطريق وإن طال، فإنه محفوظ بعين الله، وأن يكونوا صادقين في حمل رسالتهم العظيمة والثبات على مبادئهم فالنجاح مسيرة بناء متواصل.

فالإسراء كان الانتقال ليلا وفي الظلام، وكأن الحدث يقول إن التحولات الكبرى لا تبدأ في وضح النهار، ولا تصحبها دائما الأضواء، كثير من أعمال الله تبدأ خفية وصامتة وبعيدة عن الضجيج، لكنها تغير مسار التاريخ، وهذا المعنى يعيد ترتيب علاقتنا باليأس، فلا يعني أن هذا التأخير في النصر هو عبارة عن فشل، ولا أن الأوضاع العامة من تردي هذه الأمة علامة على نهايتها، وخاصة إذا رجعت الأمة إلى أسباب السماء وأصلحت شأنها مع الله فإن الله كفيل بنصرتها وتسخير الأسباب لها.

ولو تأملنا في الجانب الجغرافي لهذه الحادثة العظيمة، فإننا سنجد أن المسجد الأقصى كان المحطة الأولى في هذه الرحلة، ليؤكد أن الألم جزء من الخريطة، وأن القداسة مرتبطة بالابتلاء، فلم يكن اختيار الأقصى عبثا، بل ربطا بين الرسالة ومواقع الصراع الروحي في الأرض، وكأن الإسراء يهمس في أذن الزمان أن هذه الأرض ستظل موضع امتحان، وستظل حاضرة في وجدان المؤمن، مهما تبدلت العصور.

ولقاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في تلك البقعة الطاهرة المقدسة، والصلاة بهم إماما، لم يكن مشهد تكريم فقط للرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما يتجاوز هذا الأمر أن كل الأنبياء تعرضوا للتكذيب وعدم التصديق، وأنهم عانوا مع أقوامهم حتى يبلغوهم دعوة الله، فكلهم مروا بهذه الابتلاءات، وكلهم لم يروا الثمار كاملة في حياتهم، فهذا دليل على أهمية بذل الأسباب وعدم استعجال النتائج، ولذلك التقى بهم في السماوات العلا في حادثة المعراج وكيف أنهم بتسليمهم لله تعالى، وابتلاءاتهم التقى بهم في مراتبهم في السماوات السبع.

وإذا قرنا لحظة العروج وارتباطها بالصلاة فإننا نجد أنه في ذروة العروج، فرضت الصلاة، فهي لم تفرض في الأرض، ولم تنزل عبر وسيط، بل فرضت في مقام القرب من الله عز وجل، وكأنها تعطي دلالة بأن الله في لحظات الانكسار والضعف لا يهبنا سلاحا ماديا، بل يهبنا صلة دائمة به وهي الصلاة، فهي عبادة مرتبطة بالواقع، بل هي العمود الذي يمنع الواقع من سحق الروح، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «الصلاة عمود الدين»، وهي تذكر الإنسان بأنه لا يصارع هذه الآلام والعذابات وحيدا، فهو بمعية الله.

وحين ننظر اليوم إلى واقع المسلمين، ندرك كم نحن بحاجة إلى إعادة اكتشاف الصلاة بمعناها الوجودي، لا بوصفها عادة، ولا مجرد التزام شكلي، فالأزمات التي نعيشها ليست فقط سياسية أو اقتصادية، بل روحية في جوهرها، فهي تؤكد لنا حقيقة أن ما يصلح الداخل وهو الجوهر هو ما يصنع القدرة على مواجهة الخارج.

كما أن النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الإسراء لم يصدق بسهولة، بل كذبه قومه وسخروا منه، وكان الإيمان بهذا الحدث العظيم اختبارا حقيقيا للقلوب، وهكذا الحال دائما، فإن التصديق الحقيقي للإيمان هو تصديقه للغيب، والمسلمون اليوم يختبرون في قدرتهم على الثبات على مبادئهم الدينية والتمسك بقيمهم المستمدة من الدين الإسلامي في هذا العالم الذي ضاعت فيه المعايير وتلاشت الأخلاق، وأصبح فيه القابض على الدين كالقابض على الجمر.

وفي الصراع العالمي الدائر اليوم بين القوى الصهيونية، ومحاولتهم لإشعال الفتن، وجر المنطقة إلى حروب طاحنة تزيد فيها الويلات فإننا واثقون بنصر الله، لما نتلمسه من بشارات الغيب التي بشرنا بها الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد دعانا القرآن الكريم إلى الإنفاق على الجهاد في سبيل الله، وحثنا على ذلك في سورة محمد في قوله تعالى:«فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم (38)» يقول ابن كثير في تفسيره: «عن أبي هريرة، قال: «لما نـزلت «وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ» كان سلمان إلى جنب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء القوم الذين إن تولينا استبدلوا بنا، قال: فضرب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على منكب سلمان، فقال: من هذا وقومه، والذي نفسي بيده لَوْ أنَّ الدّينَ تَعَلَّقَ بالثُّرَيَّا لَنالَتْهُ رِجالٌ من أهْل فارِس»، وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم، وصححه علماء الحديث، فعسى أن يكون تدميرهم في تدبيرهم، والله غالب على أمره.