لقـاء الله.. الغائـب الحاضـر فـي الوعـي الإنسانـي
29 يناير 2026
كتب - ماجد الندابي
29 يناير 2026
إذا تأملنا مفهوم لقاء الله في الوعي الإنساني يبدو وكأنه فكرة مؤجلة، وكأنها مؤطرة بزمن لاحق مرتبطة بالموت أو القيامة أكثر من ارتباطها بالحياة نفسها، وإذا التفتنا إلى الإنسان وكيف يتعامل مع هذا اللقاء نجده يتعامل لمعه وكأنه حدث مؤجل إلى ما بعد انقضاء العمر، لا بوصفه حقيقة تتسلل إلى تفاصيله اليومية وتعيد تشكيل رؤيته إلى أعماله، غير أن التأمل العميق يكشف أن هذا اللقاء ليس مفاجأة تقع في نهاية الطريق، بل حضور خفي يرافق الإنسان في كل منعطف وإن غاب عن شعوره، فطريقة العيش وترتيب الأولويات وفهم النجاح والخسارة كلها مؤشرات دقيقة على موقع هذا اللقاء في الوعي، هل هو حاضر يوجه المسار، أم فكرة مؤجلة لا أثر لها في قراراته اليومية.
لذلك نجد القرآن الكريم يقدم الخسارة بوصفها نتيجة مسار طويل من التغافل، فالإنسان لا يصل إلى لحظة الحسرة من فراغ، وإنما يصل إليها وقد راكم اختياراته على افتراض أن اللقاء بعيد ، حتى إذا جاءت الساعة بغتة انكشف له ثقل ما فرّط فيه، كما يصوّر ذلك قوله تعالى: « قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ»، فالمشكلة هنا ليست في مجيء الساعة، بل في طول الغفلة التي سبقتها.
والمفارقة العجيبة أن كثيرا ممن غاب عنهم استحضار اللقاء لم يكونوا جاحدين أو غير مؤمنين باليوم الآخر من حيث وقوعه، ولا منكرين للإيمان من حيث الأصل، وإنما كانوا قد أزاحوا فكرة اللقاء من مركز الوعي إلى هامشه، فلم يعد السؤال حاضرا عند اتخاذ قراراتهم، ولم يكن يحاسبوا أنفسهم عند قيامهم بأي فعل، ولم تكن فكرة لقاء الله حاضرة عندهم في حاضرهم، وهكذا نجد أن إيمانهم عندما يفصل عن فكرة اللقاء، نجده يتحول إلى معرفة ساكنة لا تملك قوة التوجيه ولا قدرة الضبط، لذلك لم يصف القرآن هذا المسار بالإنكار دائما بل وصفه بالنسيان، لأن النسيان أخطر من الجحود، كما في قوله تعالى: «الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ».
ونجد أن الخسارة التي تترتب على هذا الغياب هي خسارة أخروية وخسارة دنيوية، فحين تغيب فكرة لقاء الله عز وجل، تفقد الأفعال وزنها الحقيقي، ونجد أن القيم تتحول إلى تفضيلات، ونجد أن الحق يتحول إلى وجهة نظر، كما أن الباطل يمكن تحويله إلى خيار قابل للتبرير، ونجد الإنسان لا يسأل نفسه عن الصواب أو الخطأ الذي سيحاسبه عنه الله وإنما يفكر تفكيرا نفعيا لحظيا، ولا يفكر فيما يبقى بل فيما يمنحه طمأنينة مؤقتة، ولهذا ربط القرآن الكريم بين تكذيب اللقاء وحبوط العمل نفسه، فقال تعالى: «وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»، لأن العمل حين يُفصل عن فكرة لقاء الله يفقد معناه من حيث إنه عمل موزون بميزان الحسنات والسيئات وبذلك يفقد قيمة الجزاء الأخروي.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذا الغياب لا يظهر في صورة إنكار صريح، بل في صورة اطمئنان إلى الدنيا بوصفها غاية مكتفية بذاتها، وسقفا لا يُرى ما فوقه، فالإنسان لا يقول إن الآخرة غير موجودة، لكنه يعيش وكأن الدنيا تكفي، وكأنها تمنح المعنى الكامل للحياة، وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم بوضوح حين قال الله عز وجل: «إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ»، فنجد أن الرضا هنا ليس قناعة واعية، بل طمأنينة زائفة لحياة فانية.
وعندما نجد أن هذا المعنى يسيطر على تفكير الإنسان ويغيب عنه معنى اللقاء الأخروي، يصبح الإنسان منشغلا بتحسين شروط العيش من غير أي اعتبار للمعنى الحقيقي والغاية الحقيقية التي خلق من أجلها في هذه الحياة الدنيا، فيعمل ويكد ويخطط لكنه لا يسأل نفسه إلى أين يقودني هذا الطريق، وما قيمة هذا الإنجاز إذا وضع في سياق أوسع، وحين يُسأل عن الغاية يكتفي بإجابات عامة لا تؤثر في تفاصيل يومه، وهكذا يعيش عمره كاملا دون أن يتدرّب على فكرة الوقوف بين يدي الله، ودون أن يهيئ نفسه لفكرة اللقاء، حتى يأتيه الموعد فجأة، كما لو أن الزمن كله كان أقصر مما ظن.
والدنيا في حد ذاتها ليست المشكلة ولا العمل فيها هو جوهر الإشكال، وإنما المشكلة حين تتحول إلى المرجع النهائي، حين تفصل عن أفق الآخرة، تصبح سبب غرور لأنها خادعة بطبيعتها، ولأن الإنسان أسقط منها بعدها العابر، لذلك يربط القرآن الكريم بين الغفلة عن اللقاء والانغماس في اللهو واللعب، كما في قوله تعالى: « الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ».
في المقابل نجد أن استحضار لقاء الله لا يعني الهروب من الدنيا، ولا الانسحاب من واقعها، بل يعني إعادة ترتيب العلاقة معها، فالقرآن الكريم لا يجعل رجاء اللقاء دعوة للكسل أو الانزواء، بل يجعله أساسا للعمل الصالح، كما في قوله تعالى: «قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا»، فاللقاء هنا ليس فكرة لتخويف البشر وإنما معيار من خلاله يتم توجيه أعمالهم إلى الصلاح ويعيد ضبط النية ويصحح التوجه، وحذر من الوقوع في الشرك حتى الشرك الأصغر وهو الرياء، فشرط قبول الأعمال الصالحة عند الله عز وجل أن تكون مخلصة لوجهه الكريم، فالله عز وجل في الحديث القدسي يقول: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم «قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه».
ومن اللافت أن القرآن لا يقدّم فكرة اللقاء في سياق الترهيب وحده، بل في سياق بناء اليقين، فالكون كله يسير إلى أجل وكل حركة فيه محكومة بنهاية، وهذا النظام المحكم ليس منفصلا عن معنى اللقاء، كما في قوله تعالى: « اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ»، كأن انتظام الكون نفسه حجة صامتة على أن الإنسان ليس استثناء من قانون المصير.
والعجيب أن الإنسان، رغم وضوح هذا المسار، يظل يؤجل التفكير في اللقاء، كأنه يريد أن يعيش أولا ثم يفكر لاحقا، غير أن هذا «اللاحق» غالبا لا يأتي، وحين يأتي يكون في لحظة انكشاف لا في لحظة مراجعة، هناك تتضاعف الحسرة على ضياع الزمن ، بل وعلى التفريط الذي كان يمكن تداركه لو حضر اللقاء في الوعي.
