حيث لا أستطيع العودة إلى العدم
25 يناير 2026
25 يناير 2026
الجمعة، 13 نوفمبر 1992، مسقط
هذا البحر مؤقَّت كما في حالة البحر الكاريبي وبحار أمريكا اللاتينيَّة (حيث «يُباع البحر قِطَعَا مُرَقَّمة» على رأي غابرييل غارسيا ماركيز في «خريف البطريرك»).
هذا البحر ليس لتعُّوب الكحَّالي، وليس لي.
السبت، 14 نوفمبر 1992، مسقط
«لا سبيل إلى الجمع بين هذين: إحياء الليل سهرًا، ومزاولة مهنة. لو أنني في فُتُوَّتي لم يتعهد أوليائي نفقة أرقي، لَقَتَلتُني حتمًا» (سيوران).
أما أنا فلا سبيل لي لقول ذلك (لأسباب يعلمها أوليائي جيِّدًا).
الجمعة، 3 ديسمبر 1992، مسقط
أصيبت الجبال بزنا المحارم في مكبِّرات الصوت.
السبت، 5 ديسمبر 1992، مسقط
يا الله من هذا، من قوم عاد إلى سُكَّان مجز الصغرى بَشَرَا ونخيلاً: «أعجاز نخل خاوية» («الحاقَّة»).
الأحد، 6 ديسمبر 1992، مسقط
جبال «الوادي الكبير» وحدها تستطيع اقتراف وتفسير العيش هنا (سمعت البارحة ما لا يمكن أن يكون غير عواء ذئب، خلف نافذتي، تمامًا وحرفيَّا).
الإثنين، 7 ديسمبر 1992، مسقط
في أسوأ حانة في الجحيم على الإطلاق، حيث الخمرة انكفاء لا يكفي.
الثلاثاء، 8 ديسمبر 1992، مسقط
يقترفون أنفسهم (طبيعيًّا وبالتظاهر).
الأربعاء، 9 ديسمبر 1992، مسقط
(1)
ليس هناك ما هو أقسى من محاولة المرء إعادة التعرف إلى وطنه في بلاد تندثر.
(2)
في مسقط، تزيد المتوافرات عن العذاب، وكل شيء يحاصر الحزن، وكل شيء لا يتذكر.
(3)
هذا الوهم الكبير الذي اسمه الكتابة.
الخميس، 10 ديسمبر 1992، مسقط
شجارات الحانات في الليل، و«الدَّوام» في النهار بشكل يبدو فيه على كل الوجوه انتظار الراتب الشهري.
أي جدوى في هذا؟ وكيف يمكن للمرء أن يستمر هكذا منتظرًا الليل، والنهار، والرَّاتب الشَّهري؟
الأربعاء، 30 ديسمبر 1992، مسقط
ما الذي سيحدث لظهيرة تنوح على صباح؟
ما الذي يمكن لفضيحة لا تتمكن من تجنُّب النَّهار؟
الأربعاء، 3 فبراير 1993، مسقط
من قديم، ومجدَّدًا، هذا الليل في كل هذا الليل.
الخميس، 4 فبراير 1993، مسقط
أيتها السماء، إلى أين؟
الأحد، 28 فبراير 1993، مسقط
بدأت في قراءة قصة «موت السَّرير رقم 12» لغسان كنفاني وأنا جالس على الكنبة في الأستوديو الصغير الذي أقيم فيه بمنطقة «الوادي الكبير». لكن شيئًا ما دفعني، بعد قليل، لمغادرة الكنبة والاضطجاع على السرير متمسِّكًا بالكتاب، تمامًا كما لو كنت محمد علي أكبر متشبثًا بصندوقه الغامض. ذلك لائق أكثر بتلك القصَّة، لكن لو أن غسَّان لم يقع في فخ «التَّمييز» الصريح بين «الواقعي» و«المُتَخيَّل» في سيرة حياة محمد علي أكبر، وفي سيرة حياة ومصرع كنفاني نفسه، وفي سيرة العُمانيين والفلسطينيين في الكويت (وما بعد الكويت). أم أن العام 1961 كان لا يزال وقتًا مبكرًا لانكشاف هذا التاريخ، وكل هذا الموت؟ لا أظن، لكن أين ظنُّ القارئ من يقين الكاتب؟
سريري لا يحمل رقمًا بعد، غير أنه بعد أن انتهيت من قراءة النص جاءتني الممرضة وهي تقود السرير المتحرك الذي يؤدي بك إلى مستودع حفظ الجثث، ثم نزعت عن سريري علامة صغيرة وقالت: لقد مات السَّرير رقم 13!
وفي الممر الفاصل بين جناح التنويم والمشرحة كنت أتمتم: هل رأيت يا كنفاني؟
الأحد، 7 أغسطس 1998، أوستن، تكسَس
مخاوف أخرى تتحقق اليوم بعد أن كانت حدسًا وتخمينًا مني؛ فقد شخَّصني أخصائي الأعصاب الدكتور مايكل جي همر بالإصابة بمرض «متلازمة الرِّجل المضطربة» (*). تزداد أعراض هذا المرض لديَّ حين أحاول الإقلاع عن التَّدخين باستخدام اللاصقات النيكوتينيَّة، أو التخفيف منه بدون مساعدة شيء من خارج الإرادة الذَّاتيَّة. يرجِّح هذا الأخصائي المرموق في هذه المدينة أن النيكوتين قد تدبر أمره في كبح جماح الأعراض التي تستفحل وتهيج حين تقل نسبته في الدم، على الرغم من أن هذا قد لا ينطبق على مدخنين آخرين مصابين بهذا المرض الذي لا سلوك نموذجيًّا وموحَّداً له؛ فهو يهاجم مناطق ضعف في الجهاز العصبي والكهربائي في الجسد، وهذه تختلف من شخص إلى آخر. هذا يعني، ضمن ما يعني بصورة شيطانيَّة، أن عليَّ مواصلة التدخين الشَّرِه والموت إصابة بسرطان الرئة أو السكتة القلبيَّة أو الدِّماغيَّة من أجل تخفيف آلام هذا المرض! يا لها من «قسمة ضيزى» حقًّا.
هذا يضيف سببًا آخر لترددي الكبير وشجاري المتواصل مع «...» في أن أتسبب في مجيء شخص جديد إلى هذا العالم؛ حيث من الرَّاجح، حسب المعطيات الموضوعيَّة المتوافرة، أن تكون «متلازمة الرِّجل المضطربة» هي أول ما «أعطيه» (يا لسوء المفردة) لابنتي «شَغَفْ» أو ابني «نَسْغ» (حسب اتفاق التَّسمية النهائي مع «أمِّهما» المفتَرَضة)، ما دام أبي الذي بلغ معه المرض مرحلة متقدمة، للأسف الشديد، قد ورَّثني إياه؟ كيف أستطيع أن أدافع عن نفسي أمام «شَغَف» و/ أو «نسغ» إذا ما أصيبت/ أُصيب بهذه الكارثة النادرة التي يمكن للمرء أن يكون شقيًّا بما فيه الكفاية من دون الإصابة بها؟ ما أسوأ كلمات تلك اللحظة القاسية التي فكَّرتُ في قولها مرارًا وتكرارًا لهذا السبب الذي سيجرُّ معه أسبابًا كثيرة ووجيهة غيره، ولكني لم أتلفظ بها لعدم منطقيَّتها أساساً، غير أنها ستكون منطقيَّة تماماً، وعادلة إلى أبعد الحدود، إذا ما وُجِّهت لي: أنا لم أطلب منك أن تُنجبني، فما الذي عليَّ أن أفعل الآن، حيث لا أستطيع العودة إلى العدم؟ -------------------------------
(*): «متلازمة الرِّجل المضطربة» (Restless Leg Syndrome) ويُعرف اختصاراً بـ (RLS): مرض عصبي نادر، ومجهول السبب، ووراثي، ولا علاج خاصا به حتى الآن، وإنما توصَف للمصاب به، من أجل تخفيف حدَّة الوجع، أدوية تستخدم في الأصل لعلاج مرض الرُّعاش. تتمثل أعراض ذلك المرض في دبيبٍ تَنَمُّليٍّ قارص يصيب السَّاقين والفخذين أولاً، ثم يتمدد إلى بقية الأطراف وما تبقى من أعضاء الجسد، وبصورة خاصة مع بدء الليل، وبصورة خاصة وتنكيليَّة أكثر لدى حلول وقت النوم أو الشُّعور بالرَّغبة فيه. ورثت هذا المرض -الذي يصنَّف أيضاً من عائلة «اضطرابات النوم»- من أبي (حاشية أضيفت إلى المتن في يوم الخميس، 22 يناير 2026، مسقط).
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني
