كتبٌ عن الحب

13 يناير 2026
13 يناير 2026

قرأتُ كتاب «الحب السائل» لزيغمونت باومان عام 2015، وهو عالم اجتماع وفيلسوف يُعدّ من أبرز منظّري الحداثة السائلة، وكرّس جزءًا كبيرًا من مشروعه الفكري لتحليل الهشاشة، واللايقين، وتفكك الروابط الإنسانية في الرأسمالية المتأخرة.

منذ ذلك الحين قرأتُ كتبًا أخرى عن الحب من بينها أعمال إيفا إيلوز عالمة الاجتماع المتخصصة في سوسيولوجيا العواطف في كتابها «حميميات الحب: تشكيل الرأسمالية العاطفية»، وكتابها «لماذا يجرح الحب: تجربة الحب في زمن الحداثة»؛ حيث تفكك العلاقة بين الاقتصاد، والثقافة، وتشكّل المشاعر في المجتمعات الحديثة.

كما قرأتُ كتاب «معاناة إيروس» للفيلسوف الكوري الجنوبي بيونغ-تشول هان المعروف بنقده الحاد لمجتمع الإنجاز، والاستهلاك النفسي، والذي يتعامل مع الحب بوصفه تجربة مهدَّدة بالزوال في عالم السرعة والإشباع الفوري. تتشارك هذه المشاريع الفكرية في طرح تصور للحب بوصفه نتاجًا مباشرًا للنظام الذي نعيش فيه: حبٌّ حداثي، قائم على تقديس الإثارة، ومصمَّم ليُستهلك ثم يُستبدل بسرعة.

هذه الملاحظة تبسيطية عن هذه الكتب، أدرك ذلك، لكنها مع ذلك قد تُلخّص جوهر هذه الأطروحات.

تطالبنا هذه المقاربات بمقاومة تسليع الحب، وبالصمود في وجه مشروطيته، وتدعونا -بشكل أو بآخر- إلى تجاوز ذواتنا، وإلى نوع من التسامي الذي قد يبني تجارب حب «حقيقية» و«دائمة». أما حين نتعامل مع الأشخاص كما نتعامل مع خيارات شراء قطعة الجبن المناسبة وتجربتها، وحين يتحوّل هوسنا إلى مجرد تجربة من أجل التجربة فسوف نهلك.

تدرس هذه الأطروحات افتقاد الإنسان اليوم لـ«المطلق» الذي يتم استبداله بالحب. ربما لكونه ملغزًا وغريبًا والجميع عاجز عن تفسيره. فما الذي يحدث حقًا حين نقع في الحب؟ ولماذا نؤمن به للدرجة التي يتسبب فيها في ارتكاب الجرائم والموت؟

سئمتُ هذه الأطروحات، وأنا في جانبٍ منها أرى فيها قراءة «عمودية» للحب؛ قراءة تختزله إلى بنية تفسيرية جاهزة، وتنزع عنه السحر نفسه الذي تدّعي هذه المشاريع أنها ترثيه. فهي، على نحوٍ ما، تُعلّق الحب بطريقة «نحوية» بأفكار سبق تعيينها: الرأسمالية، الاستهلاك، السوق، الفردانية تمامًا كما تفعل مدرسة التحليل النفسي حين تُعيد تجربة الحب إلى صيغ تفسيرية ثابتة من قبيل النقص، أو التكرار القهري، أو استعادة موضوعات الطفولة الأولى.

وجاء في الأطروحات التي نقدت اتجاهات مدرسة التحليل النفسي هذه ومن بينها أطروحات دولوز لها «أنها لا تنظر إلى الحب بوصفه حدثًا مفتوحًا، بل كعرضٍ يمكن تأويله،، وإعادته إلى أصل سابق عليه؛ إلى رغبة مكبوتة، أو فقدٍ تأسيسي. وبهذا يجرد الحب من غموضه لصالح نظام معرفي يدّعي فهمه».

يبدو أن تفسير علاقة الحب المعاصرة بربطها بثقافة الاستهلاك، قد أصبحت مستهلكة بدورها. تحوّلت إلى خطاب مألوف، مُستقر، جزء من النظام الذي احتواها، واحتفى بها، وحيّدها. بينما نظل نحن ننتظر بشيء من الإنهاك أن يقول لنا أحدٌ شيئًا عمّا يحدث معنا فعليًّا، عن تجاربنا الخاصة، عن ارتباكنا، عن علاقات لا تنصاع بسهولة لا لسوق ولا لنظرية. يبدو أن الرأسمالية التي تنقدها هذه الأطروحات وكعادتها قد استوعبت هذه التفسيرات.

هناك أيضًا، في كثير من أطروحات الحب التي تُقدَّم بوصفها خلاصًا، تعطّشٌ واضح إلى النقاء، وازدراءٌ ضمني لما هو دنيوي، وكأن الحب لا يصحّ إلا إذا تجرّد من الرغبة.

في بعض مقاربات الحب الصوفي، يتحوّل العشق إلى مسار تطهيري، يُطلب فيه من المحب أن يتخفف من ذاته، وأن يسمو فوق الحاجة والامتلاك ويتقاطع هذا، على نحو لافت بحسب ظني، مع أخلاق مسيحية معولمة تسللت إلى الخطاب المعاصر عن الحب: الغفران بوصفه فضيلة عليا، وإدارة الخدّ الآخر بوصفها علامة تفوّق أخلاقي.

هذه الكتابات، في جوهرها، محافظة وتبسيطية، لأنها تفرض نموذجًا أخلاقيًّا مثاليًّا للحب يُدين التناقض والرغبة ويختزل التجربة الإنسانية في وصفات جاهزة. وهي عنيفة على نحوٍ ما؛ إذ تزرع الشعور بالذنب والفشل حين يعجز الأفراد عن الارتقاء إلى معايير نقاء غير إنسانية أو إلى التحرر من واقع مُعنف بشروط الرأسمالية.

لم تنجُ الكتابات النسوية بدورها من نوعٍ من تصنيم الحب، وإن كان على طريقتها الخاصة؛ إذ رأت أننا لا نتحرّى الحب فعليًّا ما لم نفهم أن الحب الرومانسي الذي كرسه مجتمعنا والذي لا يقوم على الاختيار فنحن «نقع» فيه بغير إرادة منا ليس حبًّا، فتفترض أن الحب قائم على الاختيار والمواءمة والمسؤولية، أن إدراك هذا يعني أننا قد «تحررنا» حقًا، يظهر هذا في أطروحة بيل هوكس، الكاتبة والناقدة النسوية الأمريكية، في كتابها «عن الحب» الصادر عام 2000، والذي نُشر حديثًا للعربية بأكثر من ترجمة.

ولا أزعم أن هذا الموقف ينسحب على مجمل الكتابة النسوية، لكنه حاضر بقوة في أشهر أطروحاتها، حيث يتحوّل الحب، مرة أخرى، من تجربة غامضة إلى نموذج ينبغي تعلّمه وإدارته.

أظنني أفكّر في أن الحب موجود في استحالته؛ لم يتحقق «الحب» في أي زمن، كان الإنسان وحيدًا في الغابة وما زال وحيدًا في المدينة، وأفكّر أحيانًا أن أقسى ما يحدث مع الإنسان هو أنه لن يستطيع يومًا أن يعرّف الآخر بمقدار حبه له ومع يأس الأطروحات الفلسفية «الأزلي» في مقاربة مسألة الحب، تروج في هذه الفترة دراسات جديدة قادمة من علم الأعصاب تختبر تجارب المحبّين وأصحاب القلوب المفطورة، تضعهم تحت عدسة الأسلاك والأجهزة ثم تحاول أن ترى ما الذي يعنيه أن يحب أحدنا.

إن مجرد التفكير في هذا النوع من التجارب يصيبني بالاشمئزاز، أما التفكير في تسابقنا لقراءة الكتب التي ينشرها أطباء الأعصاب عن هذه الاختبارات فيغمرني بحزنٍ وحشي.

لكل هذه الأطروحات موقفٌ مما أكتبه الآن؛ فهذه بالضبط هي العدمية التي حذّروا منها لكنني لا أجادلهم بقدر ما أشفق علينا، أمام رغبتنا العنيدة في الإمساك بما لا يمكن الإمساك به، في تثبيت ما هو موجود أصلًا ليظل منفلتًا، ولعل ما يمكن اقتراحه، هو أن نكتب مزيدًا من الشعر؛ فالشعر قد يكون الفضاء الحرّ الوحيد الذي نوجد فيه قليلًا خارج وحدتنا، وهو الذي سينشد الحب كما فعل دائمًا، لا ليعرّفه، ولا ليبرّره.

الشعر في تجاوزه للغة هو أملنا الوحيد في أن نتكلم عن الحب خارج هذا النظام الذي نعيش تحت وطأته. هو أملنا في الحفاظ على تنويعة «المطلق» هذه. هل سيحررنا هذا تمامًا من الوحدة التي كتبتُ أعلاه بأنها رافقتنا من الغابة إلى المدينة. لا أظنه سيفعل لكنني أستدعي في هذا السياق الشذرة الأولى في كتاب صخرة عند المصب: مقاطع رسائل حب للكاتب والشاعر العماني عبدالله حبيب بقوله: «لكني في عزلة حتى وأنا بين ذراعيك. لا أريد إلا أن أكون في عزلة بين ذراعيك».