نوافذ :غبار الحزن المضيء

18 يناير 2023
18 يناير 2023

حرصت على القراءة طوال حياتي كما يحرص غريق على طوق نجاته، إلا أني في الآونة الأخيرة أصبت بما أسميه حبسة القراءة، وأثناء ذلك عرفت الخوف، وكأن كل ما كان يشكل المعنى، والعزاء والبهجة في حياتي، فقد دون رجعة.

تتسلل الحبسة إلى النفس دون انتباه، ثم يلاحظ المصاب حالة من التشتت وانعدام التركيز أثناء القراءة، ثم يجد كل ما يقرأ تافها إلا القليل النادر، وحتى هذا القليل النادر سرعان ما يتخلى عن معناه في النفس، ثم يأتي الضجر من التنقل بين الكتب دون متعة، وكأن القراءة تحولت إلى فعل ميكانيكي يقف عند العين ولا يذهب أكثر، فيتسرب البله إلى النفس، وتخفت حدة الانتباه، ويتقلص عمق فحص الفكرة، ثم تفقد الرغبة لا في القراءة وحدها، بل حتى في التفاعل مع الحياة، وقصر ذلك على الحد الأدنى للحاجات.

مع ذلك لم أتوقف عن البحث في مكتبتي عن الكتاب المخلص، الكتاب الذي سيحمل في صفحاته الترياق الذي سيعيدني إلى صواب القراءة.

كنت أفحص الرفوف ولا تزيدني العناوين إلا يأسا وضجرا، ثم انتبهت إلى صوت يهمس لي "تولستوي"، إلا أن "الحرب والسلم" لم تكن على رفوف مكتبتي، مما أثار حيرتي، فقد بدت وكأنها كانت دوما على رف الأدب الروسي، إلى جانب آنا كرنينا، والجريمة والعقاب، والأخوة كرمزوف، ومجلدات القصة القصيرة لتشيخوف وغيرها، لكنها لم تكن.

لم يطل الأمر حتى وصلتني الأجزاء الأربعة، فتركتها على طاولة القراءة لأيام، أتأملها ولا أجرؤ على الاقتراب، وأظن أن لحجم المجلدات الأربع دور مهم في ترددي، لكني وما أن بدأت بقراءة السطور الأولى، صرت لا أغادر كرسي القراءة إلا اضطرارا، ورغم أني حاولت أن أتباطأ في الجزء الأخير قدر الإمكان، إلا أني أنهيت الرواية بأسرع مما تصورت، ووجدت أني بعد أكثر من 2000 صفحة من السرد والتنظير الاجتماعي والعسكري والتاريخي والفلسفي، ما زلت أريد أكثر.

أغلقت المجلد الأخير وأنا أشعر بسعادة غامرة وهشة في آن، غامرة لأني تأكدت من أن الروايات العظيمة لا قاعدة لها، بل أنها مقادير موزونة من خلطة سحرية لا يعرفها إلا الواهب، وأن الموهبة الحقيقية مثل غبار سحري مصنوع من نثار النجوم، يظل يضيء ولو بعد ألف سنة، وأظن أنه عندما يفقد هذا الضوء، وعندما يطول الأمد بين كتاب مدهش وآخر، يصاب القلب بالعطب فنقع في حبسة القراءة.

هي سعادة هشة أيضا، لأني أدركت دون لبس، أن النجوم لا تجود بنثارها إلا نادرا، لكننا - الكتاب أقصد- نظل نحاول متوهمين شيئا من ذلك الغبار النجمي، ثم وفي لحظة يأس غادرة، سنقول بخجل لا يمكن مداراته "حزنا شرف المحاولة"، وهذا ما يؤلمني الآن، لكن هذا أيضا ما لن أندم عليه أبدا.