نوافذ : ليس بالحب وحده

24 أغسطس 2022
24 أغسطس 2022

سألني شاب أثناء نقاش حول سرقة الكتب، ما معنى أنها مسروقة، هل ينقصها شيء ما، هل هناك ما هو مختلف في الطبعة المسروقة عن تلك الأصلية؟ فشرحت له أنها كاملة كما في الطبعة الأصلية، وأن الذي ينقص هو الحفاظ على الحقوق المادية للناشر وللكاتب.

يسعد بعض الكتاب أن يعرفوا أن نسخا مسروقة من كتبهم يتم تداولها في بعض المدن العربية، إذ يعني ذلك وجود قاعدة قراء واسعة وإقبالا على الكتاب، لكنه وعندما يستفيق من تلك اللحظة يبدأ في عد خسائره المادية.

نعم، للكتابة وجه مادي أيضا، ومن يقول غير ذلك فهو أما أنه مستغن أو زاهد، وشخصيا لا أنتمي لا لهذا ولا لذاك، لذا فنعم يشكل دخلي من الكتابة دخلا إضافيا أستعين به على مسؤولياتي وشؤون الحياة.

قد يظن البعض أني بهذا الطرح أخلي فكرة الكتابة من عمقها وسؤالها الفلسفي الأكبر: لماذا نكتب؟ لكن هذه المقالة لا تدعي أنها تذهب لاستكشاف ذلك الغور الأبعد بل لملامسة ما يظنه البعض سطحيا، إلا أن هذا السطحي هو معاشنا وحقنا في الحصول على دخل، تماما كما يفعل الآخرون. الكتابة عمل مضن، ويستهلك طاقة نفسية وروحية وذهنية هائلة، لذا فالذي يصل للقارئ من كتابة جيدة يجب أن يوضع في الميزان، فهي إن كانت تقدم لك المتعة والمعرفة وأن تطرح عليك أسئلة ضمنية فهذا يعني فيما يعني أنك أخذت هذه المتعة من كاتبها، وأنه صب فيها معرفته التراكمية، وأن هذه الأسئلة تولدت عن عقل يستهلك طاقته في نبشها، ومحاولة معالجتها وكثيرا ما تدخله في نوبات اكتئاب طالت أو قصرت.

نعم، الكتابة عمل مكلف، فهو يأخذ من صحتنا ومن طاقتنا ومن وقتنا الكثير، وأنا ككاتبة أحترم قارئي أحرص على تقديم ما يليق بعقله وقلبه ووقته، وأقل ما أطلبه أن يحترم القارئ هذا الجهد فيقدم لي على الأقل حرصه على اقتناء النسخ الأصلية من كتبي، فتلك النسبة الصغيرة من حق بيع كتبي تهمني كثيرا، ليس فقط في حقيقتها المادية البحتة بل لأنها أيضا تعني أن القارئ يحترم جهدي ككاتب وتقدره.

ربما يستهين البعض بحق الكاتب الذي يخجل عن المطالبة به أحيانا، ظنا بأن عملية الكتابة هي بسهولة وضع قلم على ورقة أو يسر النقر على لوحة الكتابة بأصابع خالية إلا من رغبتها الميكانيكية، لكن الكتابة عمل مضن بحق، الكتابة الجيدة تعني قضاء العمر في القراءة والبحث، وشهورا طويلة من تخمير الأفكار، تقابلها ساعات من الجلوس لنحت فكرة كبيرة في جملة واحدة.

نعم، نحن نكتب لأننا نحب الكتابة، وأنت أيها القارئ العزيز تقرأ لأنك تحب القراءة، لكن فلنتذكر أنه ليس بالحب وحده يعيش المرء.