نوافذ : مسقط التي تخصني
يقول حسن البحراوي في كتابه «بنية الشكل الروائي»: يتخذ المكان أشكالا ويتضمن معاني عديدة، بل إنه قد يكون في بعض الأحيان هو الهدف من وجود العمل كله.
كان نص خيط واحد من أوائل نصوصي القصصية المنشورة، وكنت أتتبع فيه حركة طفلة منكوشة الشعر، دبقة الأصابع، تسير في دروب مسقط الضيقة محاولة اللحاق بجدها الذاهب إلى السوق، حتى ينقدها بعض البيسات لتشتري الحلوى.
هذا النص هو أول محاولة من محاولاتي لاسترجاع مسقط أو فلنقل للعودة إلى طفولتي وسبرها، ولكن مع الوقت وجدت أني لا أستطيع الفصل ما بيني وبين مسقط، ما بين فضائها وبين طفولتي.
في عام ٢٠٠٨ نشرت عملا لم أحدد جنسه الأدبي، لكنني عنونته بـ «غبار» اختصارا لعبارة ظلت ترن في أذني طويلا، «ما علق في الذاكرة من غبار الأمكنة».
كان النص طويلا ومفتوحا على احتمالات كثيرة وقراءات متعددة، وقد صنف بالفعل ما بين مجموعة قصصية ورواية قصيرة ومذكرات وأدب رسائل، بينما كنت أحجم عن تعريفه أو تقديمه إلى الناس مرتكنة للغموض الذي سيكشف عن نفسه في لحظة ما، معلنا أن هذه سيرة العاشق والمعشوق، كنت العاشق والمعشوقة مسقط.
بعد ذلك وفي المجموعات القصصية التي تلت حاولت الخروج من مسقط واكتشاف العالم، ظننت أني اكتفيت منها، لكن الرواية أرجعتني إليها، فوجدتها في الباغ التي أخذت اسمها من باغ محاذٍ لبيت جدي، لعبت فيه صغيرة وسقطت من على شجرة وشججت رأسي، من باغ السيدة شيدت باغي الخاص متلمسة نتفا من ذاكرة أبوي وأجدادي وذاكرتي وذاكرة مسقط التي نبشتها بسكين الصبر والكثير من الأسئلة.
ثم جاءت دلشاد التي تمثل تلك الحميمية مع تفاصيل المكان أو كما عبر عنها باشلار في كتابه «جماليات المكان» بـ «قيم الألفة»، القيم التي تمتلك من الجاذبية القدر الذي يجعل القارئ يتوقف لا إراديا عن قراءة العمل السردي حول مكان ما ليصغي لذكرياته حوله أو ربما ليتخيله ويسكنه بكل جوارحه.
ربما في أعمالي أردت أن أخلد مسقط، وفضاءها الروائي المزدحم بالأماكن والمتخم بالحكايات والأحداث التاريخية والمعاناة، مسقط التي تخصني التي صارت تعاني من فقدان للذاكرة يتعاظم يوما بعد يوم.
كنت أريد أن أعرف بحكايات أهلها التي كان لابد أن تروى، وأن أحاول من خلال ذلك فهم تراكمات التاريخ الاجتماعي، أن أفهم أصوله ومنابعه، حتى أفهم لحظته التاريخية الراهنة وأنأى بنفسي عن الاستعجال في إطلاق الأحكام على المتغير والسريع في حدوثه.
