نوافذ : آه من تلك النظرة وجبين المحلب والزعفران

02 مارس 2022
02 مارس 2022

في استضافتها في معرض مسقط الدولي للكتاب، أقامت مجلة العربي العريقة معرضا للصور حول (الحضور العماني في مجلة العربي الكويتية) عرضت فيه صورا لتسعة أغلفة كانت عمان حاضرة فيها.

من بين هذه الأغلفة صورة لفتاة عمانية، كانت واجهة لعدد يونيو ١٩٧١، أي في بدايات انفتاح عُمان على العالم، عُمان التي كان العالم يعتبرها سرا من أسرار الجغرافيا والتاريخ، ومكانا لا يعيش فيه إلا الثوار والسحرة، وربما، ما يزال البعض يعتبرها كذلك.

لم ألتقط صورة للغلاف، لكني أخذتها من حساب الزميل عاصم الشيدي، كان قد نشرها قبل أيام على حسابه في تويتر، أعجبتني فشاركتها في حسابي، فعلق أحد المتابعين الأعزاء بأن الصورة مأخوذة من علاية سمائل.

أظهرت الصورة مدرسة من مدارس القرآن في ضاحية نخيل، وجمع من الفتيات الصغيرات وبعض الصبية، متحلقين حول معلم القرآن، على يمين الصورة تقف فتاة لتقرأ من مصحفها، على رأسها تلبس ليسو وردي وشعرها ظاهر حتى منتصفه، الفتاة الواقفة تقرأ من صحفها، ووجهها كله فرح، فرح مدهش وأصيل ومُعدي، وما زال يصلني بعد أكثر من خمسين عاما من تاريخ التقاط الصورة، فأبتسم لا إراديا وأنا أطالعها.

على يسار البنت الواقفة تجلس فتاة، وقد التفت بالأخضر، وبين يديها مصحف تسنده بيمينها، شعرها الكثيف مفروق عند المنتصف، وتنظر باتجاه بعيد عن الكاميرا، وفي النظرة تركيز على شيء بعيد، أما في طرف الصورة الأيمن فيظهر وجه الفتاة، الفتاة التي على غلاف مجلة العربي، وهي تقرأ في مصحفها.

تعلو وجه المعلم في دشداشته ومصره نصف ابتسامة وحالة جلية من الرضا، ربما كان رضا عن نهاره ومدرسته وخضرة نخيله، وربما بكل بساطة كان رضا المعلم عن قراءة تلميذته، الفتاة الواقفة بفرح يمين الصورة.

في صورة غلاف مجلة العربي، جلست فتاة صغيرة ربما لم تتجاوز السابعة أو الثامنة، ملتفة في شال من الصوف الأخضر، على جبينها دهن من محلب وزعفران، وبين يديها مصحف زهري، شعرها الفاحم السواد مفروق عند المنتصف كعادة العمانيات في ذلك الزمان، كبارهن وصغارهن، فصار كضفتين للمعنى.

أهم ما لفت انتباهي في هذه الصورة هي النظرة في عيني البنت، وآه من نظرة سددت للعدسة بلا تردد ولا وجل، نظرة تشي بروح حرة، قوية، باستطاعة صاحبتها أن تنظر في عيني محدثها مباشرة، وتطلب حقها الطبيعي في الوجود دون تأتأة ولا كثير كلام.

سمائل المشتهرة بنخيل الفرض والشعر والعلم، هي مسقط رأس أبي مسلم البهلاني وحمد بن عبيد السليمي وعبدالله بن علي الخليلي وخلفان بن جميل السيابي، لكنها لم تجد غضاضة يوما في أن تخرج بناتها بشعر مكشوف نصفه، كحال الكثير من العمانيات في ذلك الوقت، وبهمة عالية للحياة والفرح، ولم تجادل في حق الفتيات في العلم، وبهاء اللون، ولم يستشرف فيها أحد على أحد، فلماذا يا ترى ونحن قد خرجنا للعالم وصرنا في هذا الزمان، تحولت الألوان إلى مصدر رعب وأصبحت خصلة شعر فتاة مثار جدل؟