نوافذ : شرطنا التاريخي
هل كانت قشرة خفيفة تلك التي تدثرنا بها، ونحن نتحدث عن بلادنا بوصفها أرض السلام والتناغم والاحترام المتبادل ؟ هل غفلنا الانتباه للتاريخ الاجتماعي الذي كون التراتبية الاجتماعية وأسس القيم التي تقوم عليها وحداته السياسية، وكيفية تقسيم وتقاسم السلطات فيه؟
أكنا نلتحف رهجا؟ سرعان ما تطاير فلم يسق ولم ينبت ولم يجذر لشجر الحقيقة على الأرض.
هل فاتتنا فرصة التجذير والتأصيل لبناء مجتمع مدني تقوم فيه الحقوق على التساوي في المواطنة، وتتضاءل فيه فرص ظهور التيارات المتطرفة التي لن تؤدي بنا إلا إلى إفشال الدولة المعاصرة؟
أفخر بثراء تعدديتنا في كل شيء، الأديان واللغات والمذاهب والملابس والفنون والتضاريس والأعراق، لكن أكثر ما كنا نفخر به هو انصهارنا في حب هذا البلد.
هذا حالي ولا أريد أن أسقطه على أحد، فرغم اطلاعي على تاريخ عمان، وعلى محركات حروبها الأهلية، وعلى الثورات التي ميزت تاريخها المعاصر، وعلى الشظف والعسف وقهر الحاجة، إلا أنني كنت أنظر إلى الأجزاء المشرقة من الحكاية، وأعول أكثر على المدنية الناشئة، التي يمكن لها أن تحمينا من غيوم التاريخ الداكنة التي نحاول تجاوز وابلها الأسود.
الذين يصنعون واقع أي بلد هم النخب العلمية والمعرفية، التي تتحلى بروح قيادية أصيلة والتزام وطني وكياسة في الإدارة، لكن هذه النخب سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو علمية هي نتاج لمرحلتها التاريخية وسياقاتها الفكرية، فنخب السبعينيات أتت من خلفيات قومية عربية أو ليبرالية أو من تيارات ثورية أو من مرحلة الحروب ضد الاستعمار وما بعده، وعاشت تجارب ثورية ومعرفية في بلدان العالم المختلفة أحمرها وأزرقها، وجربت العيش في الواقع الطبيعي لتلك البلدان، الذي كان يعني المستقبل لعمان فكان عليهم محاولة تقليص الشقة بيننا وبين العالم.
أما الآن فأكثر النخب خرجت من مدارس أواخر السبعينيات، من إفرازات الثورة الإسلامية في إيران وما قابلها من موجات ارتدادية، من اضطراب مرحلة الجهاد المقدس، وهزيمة معاهدة أوسلو، وخيبة القومية العربية بغزو الكويت ثم سقوط بغداد.
النخب الجديدة تكونت في ظل تنامي تيارات رجعية تأسست على طلل الهزائم، وصار من نافل القول أنها تحاول الاحتماء بالماضي وشواهده التاريخية، حيث يبدو المستقبل غير قابل للقياس.
هذه النخب المذعورة والفارة من الجهل إلى الجهل ومن الخوف إلى الخوف، صارت ومن دون وعي تكرس فكرة الأنا والآخر، وهذا التمايز وتكريسه متى ما استفحل وقعت البلاد في شق عظيم.
نحن مجتمع طالما تمسك بفكرة أن وجوده مرتبط بشكل حتمي بوجود الآخر، الآخر الذي هو نحن في تعدد صورته المنعكسة على مرايا البلاد.
هذا سر وجودنا، وهذا سر صلابة هذه البلاد، وهذا برأيي جوهر ما يجب أن نحافظ عليه؛ تعدديتنا ومرونتنا وقبولنا لشرطنا التاريخي، وجود الواحد في الكل والكل في الواحد.
