facebook twitter instagram youtube whatsapp
زاهر المحروقي
زاهر المحروقي

لوحات المحلات التجارية

18 يوليو 2021

في الثمانينيات من القرن الماضي، راجعتُ بلدية مسقط في مبناهم القديم في بيت الفلج، بسبب استدعاءٍ لأبي رحمه الله من قبل البلدية، وكان سبب الاستدعاء أنه مكتوب في لوحة دكانه في روي عبارة «بيع الكماليات والعطورات»؛ كان هناك خبيرٌ سودانيٌ متخصصٌ في اللغة العربية يجيز اللوائح، واحتج على كلمة «العطورات» باعتبار أنّ كلمة «عطور» هي جمع، فلماذا نضيف إليها الألف والتاء حتى تصير جمع مؤنث سالم، والعطرُ أصلا مذكر ويجمع جمع تكسير؟! قلت له إنّ كلمة «عطورات» هي جمعٌ للعطور وهذا المتعارف عليه محليًا، جرى نقاشٌ طويلٌ في المسألة، وكانت النتيجة هي إعطاء أبي فرصة سنة ليعدّل المسمى، تابعتُ في البلدية نقاشات كثيرة حول المسميات منها الطريفة والمضحكة أحيانًا، لكنني خرجتُ بانطباع جيد حول الاهتمام باللغة في عُمان.

وما حدث لي في البلدية حدث شيءٌ مماثلٌ له في بنك الإسكان العماني عام 1986، حيث كنتُ أراجعهم في إحدى المرات، فإذا النقاش محتدمٌ حول التسمية الصحيحة هل هي «وادي الكبير» أم «الوادي الكبير»، والتي حُسمت بالوادي الكبير، ومن المواقف الطريفة أنّ أحد المهندسين السودانيين قال أثناء النقاش: «يا زوول، اللغة العربية ضاعت في عُمان. كيف بسمّوا الفول السوداني، قرون سبال؟! دا اسمه فول سوداني ومعروف عالميًا بهذا الاسم. قرون إيه.. وسبال إيه..»؟ المهم كان ذلك أيضًا نقاشًا يدلّ على الاهتمام باللغة العربية، ولم يكن ذلك مقصورًا على البلدية أو بنك الإسكان فقط؛ ففي الإعلام مثلا كان التركيز على اللغة العربية واضحًا، ومن ذلك أننا كنا نسَلّم قائمة في العمل، توَزع للمذيعين والمعدِّين والمحررين، بها المصطلحات أو المسميات الأجنبية التي يجب أن نتجنّبها ومقابلها المسميات البديلة، وأذكر منها كلمات «تنكر» و«باص» و«تلفون» و«وايرات» وغيرها، وكانت أصعب الكلمات بالنسبة لي هي تسمية الميكرفون بـ«لاقط الصوت»، فكنتُ أجد صعوبة في استخدامها، كأن أقول مثلا «أحيل لاقط الصوت إلى الزميل..».

عندما أستعرض تلك المواقف وما أشاهده الآن، أكاد أصدم من الوضع الذي وصلنا إليه؛ فالمحلاتُ التجارية لم تعد تحمل الأسماء العربية، فهي تحمل أسماء من الدنيا كلها حتى من الكاريبي، وكأنّ اللغة فعلا عقمت أن تسع مسميات تلك المحلات، فمجرد النظر لبعض اللافتات ترى العديد من الأخطاء اللغوية والإملائية على تلك اللافتات، وكأننا لسنا في دولة عربية.

أما عن اللوائح في الشوارع فتلك مأساةٌ حقيقية، إذ تُرك الأمر للعمالة الوافدة أن تترجم من «جوجل» أو من المارة، فيما كان في السابق لا يجرؤ أحدٌ على كتابة ورقة ووضعها كملصقات إلا بعد أخذ الموافقة، ويبدو الآن أنّه ترك الحبل على الغارب، فأصبحنا نقرأ لافتة تقول مثلا: «ممنوع العب قرة القدم هناء» و«خفف السرع» ونقرأ ألغازًا مثل «العامة النفقات خط بموجب محظور وقوف»، التي كتبت بأربع لغات، إلا أنّ الخطأ كان في اللغة العربية فقط لغة البلد، إذ الترجمة الإنجليزية تقول: «ممنوع وقوف السيارات تحت أعمدة الكهرباء»، غير اللائحة الإرشادية التي تشير بسهم إلى اتجاه اليمين ومكتوب عليها «مسقط» فيما السهم الذي يشير إلى اليسار مكتوب عليه «مبالا» أي المعبيلة. وهناك الكثير من اللافتات المبكية والمضحكة في آن واحد، ولو استعرضتُها لاحتاج مني الأمر إلى صفحات كثيرة.

اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، ويجب أن تُكتب بها كلُّ اللوحات والإعلانات، وبما أنّ عندنا جالياتٌ أجنبيةٌ كبيرة تعيش بيننا، فلا بأس أن تُكتب تلك اللوحات والإعلانات بلغة أخرى كالإنجليزية مثلا بجانب اللغة العربية، ولكن أصبحنا الآن نقرأ أسماء بعض المحلات باللغة الإنجليزية فقط، مع الاعتذار الشديد للخليل بن أحمد الفراهيدي عمّا وصلنا إليه، وأودُ أن أشير إلى أنّ لدينا في عُمان خللا أساسا في التعامل مع اللغة العربية، لاحظتُه من سنوات، فالعمانيون الذين هاجروا إلى أفريقيا، بدلا من أن يؤثّروا، هم الذين تأثّروا فنسوا لغتهم، فتجد أنّ الآباء يتحدثون فيما بينهم بالعربية بينما الأبناء يتحدثون السواحلية، وكذلك من هاجر إلى الخليج، تجد أنهم تركوا لهجاتهم، وتأثروا بكلمات لا نستخدمها مثل «شو» و«ايش تبي» و«اتصل فيني» و«أجول». والأغرب أن يسألك أحدهم «شلونك» وهو يراني أصلا ويعرف لوني، وغيرها من الكلمات كثير، أمّا في عُمان فمن الأسهل أن يكسر الإنسان لغته ليقول للآسيوي مثل: «أنت في معلوم» أو «أنت في روح» أو «أنت في تعال»، و«سيم سيم هاز نامونا»، بينما نجد أنّ الأجانب في دول الخليج يتحدثون -قدر المستطاع - اللهجة الخليجية، وهذه ظاهرة تحتاج إلى دراسة، إذ أننا بدلا من أن نصبح مؤثرين صرنا متأثرين، وقد حكى الشيخ خالد بن محمد العبدلي حادثة وقعت في سوق السيب قال أحدهم لصاحب المحل: أريد طاولة تكون بحجم كذا وكذا. فقال العامل الوافد: بابا زين كلام عربي شوية! هو لم يفهم العربية ويريد من العربي أن يتكلم العربية المكسرة. ولندع ذلك الاستطراد، الذي يحتاج إلى موضوع مستقل، ونعود إلى الموضوع.

يبدو أنّ ظاهرة الأخطاء في لوائح المحلات التجارية وفي الشوارع لا تقتصر علينا في عُمان وحدنا، فقد أصبحت عامة في الوطن العربي خاصة في الدول الخليجية، ممّا يستدعي التصدي لها، وما المانع أن نعود إلى مثل ما كنا في السابق بأن يكون هناك مختصون لغويون مهمتُهم مراجعة هذه اللافتات؟

عادةً.. إذا لم يعالج الخطأ أولاً بأول -مثل المرض تمامًا - فإنّه سيكبر ويستفحل، البداية ستكون في كتابة اللوائح دون أخذ الإذن، ثم سيتطور الأمر أكثر، بأن يكتب الأجانب ما يتعارض مع سياسة الدولة ومع توجهات المواطنين وعاداتهم وثقافتهم، وقد رأينا بعض الأمثلة في ذلك.

ستبقى اللغة العربية عنوان هويتنا وثقافتنا وحضارتنا، وأيّ إهمال لها سيؤثر على هوية الأجيال المقبلة، ويدخل ضمن الإهمال طبعًا عدم الاهتمام بتعريب اللوائح والإعلانات، وعدم معالجة أخطائها اللغوية والإملائية.

أعمدة
No Image
موسوعة الأثر البعيد
محمود الرحبي - من يقرأ "موسوعة عمان في التراث العربي" التي تكفل بجمعها الدكتور هلال الحجري في ثلاث مجلدات، يقف على حضور متنوع لعمان في المدونة العربية القديمة، حضور يشمل الأدب والتاريخ والأنساب والجغرافيا والرحلات، إلى جانب التفسير واللغة والفقه والطب. يكفي مثلا أن نستحضر "أبا الحسن العماني" هو البطل...