No Image
عمان اليوم

تنشئة الأطفال في البيئات الآمنة.. ضرورة لبناء الشخصية ومواجهة عزلة العالم الرقمي

19 يونيو 2026
مختصون: المكان يسهم في تنمية المهارات النفسية والاجتماعية
19 يونيو 2026

أكد مختصون في علمي النفس والاجتماع أن المكان يؤدي دورًا مهمًّا في تنشئة الأطفال وبناء شخصياتهم، مشيرين إلى أن البيئة الآمنة والمهيأة للحركة واللعب والتفاعل تسهم في تحسين السلوك، وتعزيز الاستقرار النفسي، وتنمية المهارات الاجتماعية والانفعالية لدى الأطفال.

وأوضحوا في استطلاع أجرته "عُمان" أن المساحات المخصصة للأطفال، سواء داخل الأحياء السكنية أو في المرافق العامة، لم تعد جانبًا ترفيهيًّا فقط، بل أصبحت عنصرًا مؤثرًا في نمو الطفل وتفاعله مع محيطه، في الوقت الذي أفرزت فيه البيئة الرقمية تحديات جديدة ترتبط بضعف التفاعل الواقعي وقلة النشاط الحركي لدى بعض الأطفال.

وقال الدكتور محمد الشربيني أستاذ علم الاجتماع والعمل الاجتماعي بجامعة السلطان قابوس: إن المكان يؤدي دورًا اجتماعيًّا عميقًا في تشكيل شخصية الطفل، فالطفل لا يتأثر بما يسمعه فحسب، وإنما بما يعيشه يوميًّا داخل تفاصيل البيئة المحيطة به، موضحًا أن الحي الذي يسكنه، وطبيعة العلاقات بين الجيران، ووجود مساحات آمنة للعب، وشعوره بالأمان أثناء الحركة، كلها عوامل تبني لديه فهمًا مبكرًا للعالم والعلاقات الاجتماعية.

الجانب الاجتماعي

وأضاف: أن الطفل الذي ينشأ في بيئة يشعر فيها بالأمان والانتماء يكون غالبًا أكثر قدرة على التفاعل الاجتماعي، وأكثر ثقة بنفسه، وأكثر استعدادًا للاستقلالية والتعبير عن رأيه، مشيرًا إلى أن المكان يعمل بمثابة "مدرسة صامتة" يتعلم فيها الطفل من تصرفات من حوله، ومن طريقة تعامل المجتمع معه، ومن الفرص المتاحة له للحركة واللعب والتفاعل.

وفيما يتعلق بالفروق بين نشأة الطفل في الريف والمدينة، وضح الشربيني أن الأمر لا يرتبط بالموقع الجغرافي وحده، على العكس بطريقة الحياة التي يفرضها كل مجتمع؛ ففي المناطق الريفية تكون العلاقات الاجتماعية غالبًا أكثر قربًا وترابطًا، ويعيش الطفل في بيئة يعرف فيها الجميع بعضهم بعضًا، ما يعزز لديه الإحساس بالمجتمع والانتماء والرقابة الاجتماعية الإيجابية.

وأشار إلى أن الحياة في المدن أكثر سرعة وانفتاحًا وتنوعًا، وتمنح الطفل فرصًا أوسع للتعلم والتفاعل مع أنماط مختلفة من الناس والثقافات، بما قد يساعده على التكيف والاستقلالية والمرونة، موضحًا في المقابل أن أطفال المدن قد يواجهون قدرًا أكبر من العزلة الاجتماعية وضعف العلاقات المباشرة، خصوصًا مع نمط الحياة السريع والاعتماد الكبير على التكنولوجيا.

الموقع الجغرافي

وبيّن أن جودة التنشئة تقاس بمدى قدرة البيئة على توفير الأمان والدعم النفسي والاجتماعي للطفل، مؤكدًا أن وجود المساحات المخصصة للأطفال يعزز شعورهم بالاستقلالية والثقة بالنفس، ويمنحهم فرصة للتجربة والاستكشاف بعيدًا عن التقييد المستمر، فيما يؤدي غيابها إلى زيادة العزلة والاعتماد المفرط على الأجهزة الإلكترونية وضعف النشاط الاجتماعي والجسدي.

وذكر أن اللعب في حياة الطفل هو لغته الأولى التي يفهم من خلالها نفسه والعالم، إذ يكتسب عبره القدرة على اتخاذ القرار، والتفاوض، والتعاون، وتجاوز الخلاف، وبناء علاقات حقيقية مع أقرانه.

ولفت إلى أن المجتمعات الآمنة للأطفال تبدأ من وضع احتياجاتهم في قلب عملية التخطيط والتنمية، من خلال توفير شوارع آمنة، وحدائق، ومرافق تعليمية وترفيهية مناسبة، ومساحات تسمح بالحركة والتفاعل، إضافة إلى دعم الأسرة، وتعزيز جودة التعليم، وتوفير خدمات نفسية واجتماعية تساعد الأطفال على النمو بصورة متوازنة.

التعلم عبر اللعب

من جانبها، قالت الدكتورة جوخة بنت محمد الصوافي أستاذة الإرشاد النفسي بجامعة الشرقية: إن الطفل يتعلم ويمتص تجاربه ومشاعره من المكان الذي يعيش فيه، موضحة أن الطفل يتعلم في المراحل الأولى من عمره بدرجة كبيرة عبر اللعب والحركة، حيث تكون طاقته الحركية في أعلى مستوياتها.

وأشارت إلى أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئات أكثر انفتاحًا ومساحات أوسع تكون سماتهم الشخصية أكثر قدرة على التفاعل والاندماج مع الآخرين، وأكثر إقبالًا على الحياة مقارنة بالأطفال الذين ينشؤون في مساحات ضيقة.

ووضحت أن أنماط البناء العمراني الحديثة قللت في بعض الأحيان من المساحات المتاحة للأطفال داخل المنازل، ما يجعل الحدائق العامة والمتنزهات ومناطق الألعاب في الأحياء السكنية ضرورة مهمة، باعتبارها متنفسًا للأطفال ومساحة يندمجون فيها مع أقرانهم.

وأضافت أن مشاركة الأطفال في الأماكن العامة وتكوين خريطة من الذكريات المرتبطة بها يسهمان في بناء اتصال وجداني بالمكان، ويعززان الهُوية والانتماء والاستقرار النفسي والعاطفي.

الاندماج في البيئة الرقمية

وحول أثر البيئة الرقمية، قالت الدكتورة جوخة الصوافي: إن الأطفال يميلون اليوم إلى الاندماج في العوالم الافتراضية بدرجة أكبر من العالم الواقعي، ما أثر على عاداتهم الاجتماعية ومهارات التواصل لديهم، مشيرة إلى أن الطفل قد يرفض أحيانًا الاندماج مع الآخرين نتيجة الارتباط الطويل بالأجهزة والمنصات الرقمية.

وذكرت أن التفاعل في العالم الرقمي يكون ذهنيًّا وعاطفيًّا في الغالب دون حضور جسدي كافٍ، بينما يتيح العالم الواقعي تفاعلًا ذهنيًّا وعاطفيًّا وجسديًّا في الوقت نفسه، وهو ما يحتاجه الطفل لنمو أكثر توازنًا.

تشكيل الشخصية

بدورها أكدت الدكتورة جوخة بنت محمد الشكيلي أستاذة التربية المبكرة بجامعة السلطان قابوس أن المكان يؤثر في تربية الأبناء ونموهم المعرفي والعاطفي والجسدي والاجتماعي، مشيرة إلى أن البيئة المحيطة بالطفل تؤدي دورًا كبيرًا في تشكيل شخصيته ومشاعره وطريقة تفاعله مع العالم من حوله.

وقالت: إن بعض الأدبيات التربوية تصف البيئة بأنها "المعلم الثالث" أو "المربي الصامت"، لما لها من تأثير غير مباشر في توجيه سلوك الطفل وتعلمه، موضحة أن الأماكن التي ترتفع فيها الأصوات، أو تقيد حركة الطفل واستكشافه، أو تحتوي على أدوات وممارسات غير آمنة، قد تؤثر سلبًا في شعوره بالأمان والراحة وثقته بنفسه.

ودعت إلى دمج الطفل في الأنشطة الخارجية والأماكن العامة لما لذلك من أثر في تعزيز مهارات التواصل الاجتماعي والمهارات الحسية، وتنمية إحساسه بالانتماء للمجتمع، وإدراكه بأنه جزء من هذا العالم، إضافة إلى تعليمه القواعد الاجتماعية المقبولة واحترام الأنظمة العامة.

وأوضحت أن الحديقة الواسعة والمفتوحة، على سبيل المثال، تشجع الطفل على الحركة والجري والاستكشاف، وتدعم نموه المعرفي والجسدي والاجتماعي من خلال تنمية مهارات التفكير وحل المشكلات والتواصل والاستقلالية.

وفيما يتعلق بالواقع الافتراضي، بيّنت الدكتورة جوخة الشكيلي أنه يمثل امتدادًا جديدًا لمفهوم المكان أو البيئة التي يتفاعل معها الطفل، وله جوانب إيجابية إذا استخدم بطريقة متوازنة وهادفة، إذ يمكن أن يوفر تجارب تعليمية تفاعلية توسع مدارك الطفل وتنمي خياله، خاصة في التجارب التي يصعب اختبارها مباشرة مثل استكشاف الفضاء أو أعماق المحيطات.

وأشارت إلى أن الإفراط في استخدام البيئات الافتراضية قد ينعكس سلبًا على الطفل، خصوصًا في مهارات التفاعل الاجتماعي الواقعي والنشاط الحركي والتجارب الحسية المباشرة، مبينة أن تأثير البيئات الرقمية يكون أوضح في مرحلة الطفولة المبكرة؛ لأنها مرحلة تعتمد على التعلم الحسي المباشر والحركة والعلاقات الاجتماعية الواقعية.

وأكدت أن التحدي اليوم يكمن في تحقيق توازن صحي بين العالم الرقمي والخبرات الواقعية، بحيث تكون التقنية وسيلة داعمة للتعلم والخبرة، لا بديلًا عن اللعب الواقعي والتفاعل الإنساني والخبرات الحسية المباشرة التي تعد أساسًا لنمو الطفل الصحي والمتكامل.