"التاجر الصغير".. تجربة مجتمعية تغرس ثقافة العمل في نفوس الناشئة
تُعدُّ العناية بالأجيال الناشئة أحد أهم أوجه الاستثمار في المستقبل؛ لما تمثله من بناءٍ لقيم العمل والمبادرة والاعتماد على الذات، وغرسٍ لثقافة الإنتاج في نفوس الأطفال والناشئة منذ مراحلهم الأولى. وفي هذا السياق برزت الحاجة إلى تعريف الأطفال بمهارات الحياة العملية، وإكسابهم مفاهيم البيع والشراء وإدارة المال والتعامل مع الجمهور، عبر تجارب ميدانية واقعية تجمع بين التعلم والمتعة، وهو ما أخذت به عدد من المبادرات الشبابية والمجتمعية في سلطنة عُمان.
وجاءت فعالية "التاجر الصغير" التي نظمتها مبادرة شباب صياء المجتمعية نموذجًا عمليًا لهذه التوجهات، من خلال إتاحة مساحة للأطفال والناشئة لخوض تجربة اقتصادية مبسطة، تمكّنهم من تحويل الأفكار الصغيرة إلى مشاريع مصغرة، وتمنحهم فرصة التعرف على قيمة العمل والجهد والإنتاج.
وتوزعت في موقع الفعالية أركان متعددة شملت المثلجات والمشروبات الساخنة والباردة والقهوة العُمانية والحلويات والرطب والألعاب والهدايا والمشغولات اليدوية ومنتجات الأسر المشاركة، في مشهد جسّد تفاعل المجتمع مع المبادرة، وفتح أمام الأطفال نافذة التعلم بالممارسة.
تمكين مجتمعي
وقال عماد بن محمد الناعبي، من الفريق الإداري لمبادرة شباب صياء المجتمعية: إن المبادرة المدعومة من وزارة الثقافة والرياضة والشباب تواصل تنفيذ برامجها الهادفة إلى تمكين الشباب وتعزيز المبادرات الاقتصادية والمجتمعية، مشيرًا إلى أن فعالية "التاجر الصغير" التي أُقيمت خلال عيد الأضحى المبارك جاءت ضمن سلسلة من الفعاليات التي نفذتها المبادرة بعد "كرنفال صياء" وفعالية "التاجر الصغير" في عيد الفطر.
وبيّن أن المبادرة تعتمد في تنفيذ برامجها على الدعم المخصص لها إلى جانب الشراكات والرعايات المجتمعية، مع السعي إلى استقطاب مزيد من المؤسسات الداعمة لتوسيع أثرها، مضيفًا أن المبادرة أسست فريقًا إعلاميًا من أبناء البلدة لتسويق الفعاليات وإبراز منجزاتها.
وذكر أن أبرز التحديات التي تواجه المبادرة تتمثل في محدودية الدعم والرعايات وضيق المساحات المخصصة للفعاليات، إلا أن فريق العمل يتعامل مع هذه التحديات بوصفها فرصًا للتطوير من خلال الاستفادة من التغذية الراجعة وتحسين الأداء في كل فعالية.
وأفاد بأن أكبر حافز للاستمرار يتمثل في فرحة الأطفال المشاركين ونجاحهم في تسويق منتجاتهم، لافتًا إلى أن المبادرة تحظى بتفاعل متزايد من أولياء الأمور والمجتمع؛ إذ ارتفع عدد المشاركات في آخر فعالية إلى أكثر من 23 مشاركة، بما يعكس تنامي أثر المبادرة وحضورها المجتمعي.
وأشار إلى أن النجاح الذي تحقق لم يكن ثمرة جهد فردي، وإنما حصيلة تضافر الجهود وتلاقي الإرادات حول هدف واحد يتمثل في توفير مساحة تربوية وتفاعلية يتعلم فيها الأطفال قيمة العمل والإنتاج والاعتماد على النفس.
رؤية شبابية
من جانبه، أوضح مازن بن يحيى الناعبي، أحد القائمين على مبادرة شباب صياء المجتمعية، أن المبادرة انطلقت من إيمان أبناء القرية بأن التنمية الحقيقية تبدأ من المجتمع نفسه، وأن الشباب هم المحرك الرئيس لصناعة التغيير الإيجابي وبناء المستقبل. وأضاف أن المبادرة تسعى إلى تمكين الشباب وتعزيز مشاركتهم المجتمعية، ودعم المشاريع المحلية والأسر المنتجة والحرفيين، والمحافظة على الهوية الثقافية، وتنشيط السياحة الريفية والتراثية من خلال برامج ومشاريع نوعية ذات أثر مستدام.
وأشار إلى أن رؤية المبادرة تتمثل في بناء نموذج مجتمعي رائد يحقق التكامل بين التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ويسهم في رفع جودة الحياة وتعزيز روح الانتماء والمسؤولية.
وتسهم مثل هذه المبادرات في ترسيخ ثقافة التطوع والعمل الجماعي، وتعزيز روح التآزر والتكافل، ودعم المشاريع الصغيرة والأسر المنتجة والحرفيين المحليين، إلى جانب خلق حراك اجتماعي واقتصادي ينعكس إيجابًا على مختلف فئات المجتمع.
كما تفتح هذه المبادرات نافذة جديدة للتواصل بين الآباء والأبناء، حيث تتحول الأسرة من متلقية للفعالية إلى شريك في صناعتها، فيتعلم الأبناء من توجيه والديهم، ويكتشف الآباء مواهب أبنائهم وقدراتهم الكامنة.
مشروع تربوي
وقال فهد الرحبي أحد زوار الفعالية: إن ما شاهده لا يقتصر على فعالية للأطفال؛ إذ يمثل مشروعًا تربويًا متكاملًا، حيث يتعلم الأطفال مهارات الحياة بطريقة مشوّقة، ويكتسبون ثقة بأنفسهم يصعب أن توفرها الدروس النظرية وحدها. وأضاف أن من الجميل أن يرى المجتمع الأطفال وهم ينتجون ويبدعون، لا أن يقتصر دورهم على التلقي، مؤكدًا أن مثل هذه المبادرات تفتح أمامهم آفاقًا واسعة للتفكير والإبداع.
وشارك المنتصر بن سالم الشكري، طالب في الصف الخامس، إلى جانب ابن عمه أحمد بن سعيد الشكري، في إدارة أحد الأكشاك المخصصة للمنتجات المنزلية وألعاب الأطفال، حيث أتاحت له هذه التجربة الاحتكاك المباشر بالزوار والتعامل مع المشترين وإدارة ركنه بثقة ومسؤولية.
وبيّن المنتصر أن مشاركته عززت ثقته بنفسه ووسعت مداركه في فهم أساليب البيع والتواصل مع الجمهور، كما مكنته من الاستفادة من عائدات البيع في تحقيق بعض ما كان يطمح إلى اقتنائه بجهده الشخصي، معربًا وأفراد أسرته عن شكرهم للجنة المنظمة والقائمين على الفعالية لما وفرته من بيئة منظمة ومحفزة للأطفال والناشئة.
رسالة تطوعية
وفي ذات السياق أشار معاذ بن هلال الأخزمي، أحد المهتمين بالشأن المجتمعي والداعمين للمبادرات والأنشطة التطوعية إلى إن الفرق الأهلية تؤدي رسالة تتجاوز تنظيم الفعاليات والأنشطة، لتسهم في ترسيخ قيم العطاء والتكافل وتعزيز روح المشاركة المجتمعية بين مختلف فئات المجتمع. وأضاف أن العمل التطوعي يمثل ركيزة أساسية في بناء المجتمعات وتنمية الإنسان، لما يرسخه من معاني المسؤولية والانتماء والتعاون، مشيرًا إلى أن المبادرات المجتمعية تتيح للشباب والأطفال فرصًا حقيقية للمشاركة والإبداع واكتشاف قدراتهم وتسخيرها فيما يعود بالنفع على مجتمعهم ووطنهم.
وأعرب عن إعجابه بما شهده في مبادرة "التاجر الصغير" من تكاتف بين المنظمين والمتطوعين والأسر والأطفال، مؤكدًا أن مثل هذه النماذج تجسد الصورة المشرقة للعمل الأهلي حين تتضافر الجهود لخدمة المجتمع وغرس قيم المبادرة والاعتماد على النفس في نفوس الناشئة، وإعداد جيل أكثر وعيًا وثقة وقدرة على الإسهام في مسيرة التنمية والبناء.
وتؤكد مبادرات "التاجر الصغير" أن بناء ثقافة العمل والإنتاج يبدأ من التجارب الصغيرة التي تترك أثرًا عميقًا في شخصية الطفل؛ فالمشروع البسيط الذي يقف خلفه ناشئ اليوم قد يكون نواة لفكرة ناجحة في المستقبل، تسهم في خدمة المجتمع وتنمية الاقتصاد الوطني.
