No Image
رأي عُمان

«مجلس سلام» أم «مجلس نفوذ؟»

20 يناير 2026
20 يناير 2026

تبدو فكرة إنشاء «مجلس سلام» جديد للوهلة الأولى استجابة لواقع يعرفه الجميع: بطء الأمم المتحدة، وشلل مجلس الأمن، وحروب تتناسل في كل مكان من العالم. يحتاج العالم إلى أدوات أسرع، وربما أكثر جرأة. لكن الفكرة لا تنحصر في حاجة العالم لآليات جديدة، بل في سؤال القواعد. ما القواعد التي سنستبدل بها القواعد التي ننتقدها؟ 

مشكلة «مجلس السلام» الذي يقترحه ترامب ليست في الاسم ولا في الوعود، المشكلة في التصميم. يمنح ترامب الذي أعلن نفسه رئيسا لهذا المجلس نفسه صلاحيات واسعة تتمثل في الدعوة والإقصاء وتجديد العضوية. هذا الأمر يصبغ السلام الذي يمكن أن يناقشه المجلس بصبغة سياسية تتغير بحسب المصالح والتوازنات فيما تغيب عنه القواعد التي على الجميع أن يلتزم بها، وكلما تركزت السلطة في يد واحدة تقلصت فكرة التعددية. 

ثمة نقطة لا تستقيم مع منطق المؤسسات الدولية: ربط العضوية الممتدة بدفع مبلغ ضخم. قد تُقدَّم هذه الفكرة على أنها «مساهمة» لإنجاح السلام وإعادة الإعمار، لكن الفرق واضح بين التمويل وبين شراء الامتياز. فالتمويل التزام يخضع للشفافية والمراجعة، ويُفترض أن يعزّز المصلحة العامة. أما حين يُستخدم المال كطريق إلى مقعد أطول وصوت أثقل فإن الرسالة مفادها أن الشرعية قابلة للبيع. في مثل هذا الوضع لا يصبح المجلس منافسا للأمم المتحدة بقدر ما يصبح سابقة تُشجّع على تحويل الشرعية الدولية إلى «سوق نفوذ». 

قد يقول المدافعون: إن الأمم المتحدة نفسها رهينة توازنات القوة؛ فما الجديد؟ الجديد أن عيوب الأمم المتحدة تأتي من الإفراط في القواعد التي تُنتج الشلل أحيانا بينما هذا المجلس يعالج الشلل بإلغاء القيود، لا بإصلاحها. 

لا يكمن الخطر الأكبر في ظهور منظمة جديدة إلى جوار الأمم المتحدة؛ فقد عرف العالم منظمات إقليمية وعابرة للأقاليم منذ عقود، بل الخطر أن تُعتمد صيغة تُرسخ العلاقة بين السلام والابتزاز: تهديدات اقتصادية لإجبار دول على الانضمام، أو مكافآت مالية لمن يشتري مقعدا لمدة أطول! لا تملأ مثل هذه المنظمة فراغ النظام الدولي، بل توسّع ثقوبه بأدوات الإكراه التجاري والسياسي. 

لذلك؛ أمام الدول المدعوة خياران غير كافيين: رفض تلقائي، أو توقيع متعجل. الخيار الأجدى هو وضع شروط صارمة قبل أي انضمام: شفافية مالية كاملة، وفصل واضح بين التمويل والامتياز السياسي، وآلية تصويت تمنع احتكار القرار، وحدود دقيقة للتفويض زمنيا وجغرافيا. إن لم تتوفر هذه الشروط فالمشاركة لن تكون «واقعية سياسية»، ولكنها مساهمة في تقويض آخر ما تبقى من فكرة أن الشرعية الدولية شأن عام، لا ملكية خاصة. 

يحتاج العالم إلى سلام أسرع، لكنه لا يحتاج سلاما يُدار بمنطق الصفقات. أما السلام الذي يشترى اليوم فيمكن أن يباع غدا لمن سيستطيع أن يدفع ثمنا أعلى!