عُمان.. مرحلة مركز القرار الاقتصادي
13 يناير 2026
13 يناير 2026
بلورت المراسيم السلطانية التي أصدرها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم-حفظه الله ورعاه- أمس، مركز القرار الاقتصادي وربط التعليم بسلسلة واحدة مع حماية البحث العلمي والابتكار. كما كشفت عن توجهات المرحلة القادمة من عملية البناء المستمرة للوصول بعمان إلى حيث الطموحات الكبيرة التي يتحدث عنها دائما عاهل البلاد المفدى ويطمح لها كل العمانيين. وأنشأت المراسيم مناصب ووحدات وهيئات جديدة، ودمجت ونقلت وزارات ووحدات في عملية بناء تشكل في مجملها وحدة واحدة وبأهداف طموحة.
وكان واضحا التركيز على الجانب الاقتصادي والمالي حيث أصدر جلالته مرسوما بإنشاء مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية. وعين فيه صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد، ما أعطى المنصب أهمية وثقلا كبيرا سواء من حيث الشخص الذي تولى هذا الملف أو من حيث الصلاحيات الممنوحة لمكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية. وفي السياق نفسه جاء مرسوم إنشاء مركز عُمان المالي العالمي وربطه بمكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية. ووضع صاحب السمو السيد ذي يزن في واجهة الملف الاقتصادي في البلاد في هذه المرحلة المتخمة بالتحولات العالمية من شأنه أن ينقل مركز ثقل توجهات الدولة للبناء الاقتصادي وفق مسارات حديثة. وستنجح هذه الهندسة إذا اقترنت بمؤشرات أداء، وحوكمة انتقال، ومساءلة واضحة وهذا كفيل بأن يساعد عُمان في تجاوز التحديات التي تواجه اقتصادات العالم الناشئة وتصنع اقتصادا قادرا على تغيير المعادلة وتوليد وظائف تستطيع استيعاب أعداد الباحثين عن عمل ومخرجات الجامعات والكليات.
المعنى السياسي الذي يمكن أن نقرأه من مرسوم إنشاء مكتب لنائب رئيس الوزراء وربطه بمركز مالي عالمي يوحي بأن الدولة تريد نقطة ارتكاز أعلى وأقوى لتنسيق القرارات الاقتصادية وعدم ترك ملفاتها موزعة على وحدات تعمل في مسارات متوازية.
وتتأكد هذه القراءة عندما نرى نقل وحدة متابعة تنفيذ رؤية عُمان 2040 إلى وزارة الاقتصاد. فهذه الهيكلة تعبر عن رغبة في ربط «المتابعة» بوزارة تُفترض أنها أقرب إلى أدوات التخطيط والبرامج والتقييم، بدل أن تبقى المتابعة كيانا قد يتحول بمرور الوقت إلى سلطة تقرير بلا أدوات تنفيذ كافية. وجوهر الأمر هو تقليل المسافة بين الرؤية والميزانية والبرنامج التنفيذي.
ثمة أمر آخر كشفت عنه المراسيم السلطانية التي أصدرها سلطان البلاد أمس، وهو موضوع المرونة. فالهيكلة الإدارية التي بدأت في أغسطس من عام 2020 ليست جامدة ولكنها قابلة لإعادة الهيكلة مرة أخرى سواء كانت تلك الإعادة في سياق الهيكلة المتدرجة أو في سياق المراجعة النقدية الناتجة عن الجوانب التطبيقية. وهذه المرونة في غاية الأهمية. فليس من السهل بناء هيكل إداري بحجم دولة يتمتع بمرونة في هيكلته جزئيا متى ما دعت الضرورة لذلك.
ثمة مرسوم سلطاني يستحق وقفة تأملية نظرا لحساسيته على المدى الاجتماعي، وهو مرسوم دمج وزارة التربية والتعليم مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار في وزارة واحدة باسم وزارة التعليم. المنطق الذي يمكن عبره فهم هذا المرسوم المهم وهو منطلق بناء «سلسلة تعليمية واحدة»، مسار مهارات يبدأ من المدرسة ولا ينقطع عند بوابات الجامعات. وسيحتاج هذا الأمر إلى عملية بناء جديدة تحمي المرحلتين من تأثير بعضهما على بعض.
واللافت أن المراسيم نفسها حاولت استباق هذا الخطر بفصل ملف البحث والابتكار عبر إنشاء هيئة البحث العلمي والابتكار. وهذا ذكاء إداري كبير حمى البحث العلمي وأعطاه قيمته الكبيرة وحماه من الذوبان بين ملفات وزارة خدمية مثل وزارة التعليم.
أما فيما يخص الدماء الجديدة التي تم ضخها في مراكز صنع القرار سواء على مستوى الوزراء أو المحافظين أو الوكلاء ومن في مستواهم فإنهم على مستوى كبير من الكفاءة والخبرة وسيكون أمامهم مساحة ليثبتوا ذلك عمليا خلال المرحلة القادمة التي تكبر فيها الطموحات ويحتاج فيها المجتمع إلى أن يطمئن على عملية بناء وطنه وعلى مستقبله.
