No Image
رأي عُمان

شتاء عُمان.. من موسم جميل إلى منتج سياحي

18 يناير 2026
18 يناير 2026

شتاء عُمان موسم نادر يكون الطقس فيه في غاية الجمال في وقت يتجمّد فيه كثير من العالم. وهذا الجمال الذي حباه الله لعُمان يستحق أن يكون فرصة اقتصادية وثقافية كاملة. فدرجات الحرارة المعتدلة تجعل الحركة سهلة، والفضاء المفتوح صالحا لتجارب لا تمنحها المدن المكتظة ولا البلدان التي تقضي أشهرها في البرد القارس. وهذا مفهوم جدا، يشعر به سكان عُمان وبات يعرفه الجميع في دول الجوار. لكن هذا الموسم لا يمكن أن يبقى «لحظة جمال» فهو يستحق أن يكون نافذة زمانية يمكن أن تترجم إلى إقامة أطول، وإنفاق أعلى، وذاكرة سياحية تعيد الزائر مرة ثانية.

لدينا اليوم مؤشرات على اتساع الطلب، فتقرير مؤشرات السياحة الصادر عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات يُظهر ارتفاع عدد الزوار القادمين حتى نهاية أكتوبر 2025 إلى 6.98 مليون، مقابل 6.68 مليون للفترة نفسها من 2024. وهذا الارتفاع يقول إن السوق يتحرك، وإن «الشتاء» يملك جاذبية قابلة للبناء عليها، لا للاكتفاء بملاحظتها.

ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية: نحن نتعامل مع المهرجانات الشتوية بوصفها سلسلة فعاليات، لا بوصفها «منتجًا سياحيًّا» متكاملا. الفعالية تُبهج يوما أو يومين، ثم تنتهي. أما المنتج فيخلق سببا للإقامة، وخريطة للإنفاق، ودافعا للعودة. لذلك من المهم أن تفكر المحافظات، بدءا من العام القادم، في مهرجانات تتحول إلى تجربة وقيمة مضافة، تجعل كل محافظة محطة ضرورية في رحلة واحدة، لا نسخة أخرى من برنامج مكرر.

أول معنى للتكامل هو الهوية. لا تحتاج المحافظات أن تتشابه حتى تنجح، بل العكس فالنجاح يتطلب أن تُعرِّف كل محافظة مهرجانها من نقطة قوتها الخاصة. محافظة تُراهن على التاريخ بوصفه تجربة حية ومحافظة تجعل الطبيعة «برنامجا» يقدم مسارات مشي، ومراقبة نجوم، ومخيمات منظمة، وتجارب طهي مرتبطة بالمكان. ومحافظة أخرى تُحوِّل التراث إلى اقتصاد عبر أسواق حرفية تُصنَع فيها المنتجات أمام الزائر ويشارك في صنعها. وهوية واضحة تجعل الزائر يعرف سلفا لماذا يذهب إلى هنا، لا لأنه «مهرجان هنا»، بل لأن هناك تجربة لا يجدها في مكان آخر.

أما المعنى الثاني للتكامل فهو السعر. من دون معالجة جدّية لمسألة الكلفة -وخاصة كلفة الطيران والإقامة- ستبقى المهرجانات محلية أكثر مما نريد، وموسمية أكثر مما ينبغي. نحتاج برنامجا موحدا للشراكة مع القطاع الخاص بحيث يكون هناك «أسبوع أسعار» في كل محافظة ضمن الروزنامة الوطنية، أو «بطاقة شتاء عُمان» تمنح خصومات متدرجة على الفنادق والمطاعم والنقل والتجارب، وحزم سفر جاهزة تُباع في السوقين الإقليمي والأوروبي عبر وكلاء ومنصات. وبدأت وزارة التراث والسياحة بالفعل حملات ترويج لموسم 2025/ 2026 تتضمن أنشطة شتوية متعددة وتعاونا مع شركاء من القطاعين العام والخاص ومعارض دولية ورحلات تعريفية. لكن هذا الجهد يحتاج أن ينعكس داخل المحافظات كمنظومة تسعير وتجارب، لا كقائمة فعاليات منفصلة.

المعنى الثالث هو عدم التكرار. التكرار يقتل الفضول. والفضول هو أول وقود للسياحة. لذلك نحن بحاجة إلى «روزنامة وطنية» تُدار بمنطق توزيع الهوية، لا بمنطق توزيع الأيام. من حق كل محافظة أن تختار توقيتها، لكن ضمن مشهد عام يمنع التضارب ويخلق «رحلة شتوية» قابلة للتنقل بين المحافظات، لا مهرجانات متزامنة تتنافس على الجمهور نفسه.

ثم يأتي المعنى الرابع: جعل المهرجان حدثا إقليميا. الإقليم لا يسمع بالفعالية الصغيرة إلا مصادفة، لكنه يسمع بالحدث الكبير حين يصبح علامة؛ علامة تعني: اسم ثابت، هوية بصرية موحدة، قصة واضحة، وشراكات ترويجية جادة، ووجود إعلامي خارج الحدود. وهذا ممكن جدا؛ فمقومات المحافظات العمانية -تاريخا وطبيعة وتراثا ومجتمعا- لا تقل بأي حال من الأحوال عن أي وجهة إقليمية ناجحة؛ لكن الفرق تصنعه التفاصيل: جودة التنظيم، واتساق التجربة، وسهولة الحجز، وضمانات السلامة، ووضوح السعر، وتنوع الخيارات.

يملك شتاء عُمان كل ما يلزم كي يتحول من موسم محلي لطيف إلى محطة سياحية إقليمية مؤثرة: طقس مناسب، وتنوع جغرافي، وتاريخ غني، ووعي مجتمعي بالضيافة. المطلوب هو إدارة هذه العناصر بعقل اقتصادي وتجربة حديثة.. أن نخرج من منطق «الفعالية» إلى منطق «المنتج»، وأن نفهم أن التكامل هندسة دقيقة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المحلي، تُنتج تجربة يعرفها الزائر بالاسم، ويبحث عنها في موعدها، ويعود إليها لأنه وجد فيها ما يستحق العودة.