عُمان وإدارة حافة الحرب
عاد الدور الدبلوماسي العماني إلى الواجهة خلال الأيام الماضية عندما وظفت عُمان دبلوماسيتها لمنع مواجهة كانت قاب قوسين أو أدنى بين أمريكا وإيران.. وكان يتوقع لو حدثت أن يمتد لهيبها إلى خطوط الملاحة في منطقة الخليج والبحر الأحمر.
تحركت عُمان سريعا بوصفها الطرف الأكثر موثوقية في المنطقة والأكثر فهما لحجم المخاطر التي يمكن أن تنتج عن حرب مفتوحة بين أمريكا وإيران. لم تكن طرفا مباشرا في الصراع، أو طرفا يمكن تهديده اقتصاديا أو عسكريا.
كان دور الدبلوماسية العمانية في الأزمة الأخيرة واضحا جدا، إيضاح حجم الوهم المتصور من كل طرف تجاه الآخر، ومحاولة تقليص مساحة سوء الفهم، وتحديد كلفة العمل العسكري، وفتح نافذة زمنية تسمح للتهدئة بأن تصبح خيارا عمليا يمكن أن ينتج منه حوار أو تفاهم حقيقي.
لا تنظر سلطنة عُمان لما قامت به باعتباره بطولة فردية، أو معجزة سياسية.. تصف الدبلوماسية العمانية ما قامت به في الأيام الماضية وفي تجارب سابقة عملا تقنيا تملك مفاتيحه في يدها أكثر من غيرها. فتواصلت الدبلوماسية العمانية بالجهات المعنية في الجانبين ممن يستطيع أن يوقف سلسلة القرار والرد، والرد على الرد، كما حدث في مواجهات سابقة بين إيران ودولة الاحتلال الإسرائيلي، ثم صياغة «حدّ أدنى» يمكن للطرفين قبولُه من دون إذلال سياسي، ثم توفير طريق خروج يتيح لكل طرف أن يتراجع خطوة من غير أن تبدو تنازلا. لهذا تُفضّل مسقط الهدوء على الاستعراض في مثل هذه اللحظات الصعبة، وتستبدل «الإدانة» بإدارة الفجوة بين ما يريده كل طرف وما يستطيع تحمّله.
إن أهم ميزة تملكها عُمان في مثل هذه اللحظات الصعبة أنها تستطيع المرور بكل سهولة ويسر إلى جميع الأطراف، وتعرف مقدما أن الجميع سيستمع لها، وسيدرس بشكل جدي أطروحاتها والخيارات التي تضعها على الطاولة. هذه الميزة من شأنها أن تزيل الكثير من اللبس والتضليل وتضع الجميع أمام الخطر القادم.
والخطر عندما يقع لا يتجاوز أحدا سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. ولذلك تتحرك عُمان بدوافع جغرافية إضافة إلى الدوافع الأخلاقية.. فأي اشتباك أمريكي ـ إيراني يتجاوز حدود التصريحات يضع الخليج كله في دائرة الارتداد: أمن الممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، وأسعار الطاقة، ومزاج الاستثمار. بهذا المعنى ليس مطلوبا من دول المنطقة أن تحب هذا الطرف أو ذاك كي تتصرف بعقلانية؛ يكفي أن تدرك أن الحرب لا تقع في الفراغ، وأن شظاياها لا تحترم حدود السيادة.
لكن حتى يكون الطرح واقعيا فإن ليست كل أزمة قابلة للتوقيف. أحيانا لا تملك الدبلوماسية إلا تقليل الأضرار؛ تأجيل الضربة، وتضييق نطاقها، أو منع انتقالها من «ضربة» إلى «حرب» أو من «حرب محدودة» إلى «حرب مفتوحة». ولذلك لا تعد عُمان بما لا تستطيع، لكنها تبذل جهودا حقيقية تتساوى فيها مصالح الجميع.
يبقى أن التحدي الأكبر الذي تواجهه الدبلوماسية العمانية لا يكمن في النيات، فهي صادقة وواضحة للجميع.. التحدي يكمن في البيئة الإقليمية التي تتغذى على سوء التقدير. وهناك الكثير من الأطراف الدولية أو غير الدولية التي يمكن أن تصنع تحركاتها أو تصريحاتها خللا لأي جهد دبلوماسي. وفي مثل هذه البيئة، تصبح وظيفة أي وساطة محفوفة بالمخاطر.
في جميع الأحوال، إن الدبلوماسية العمانية تثبت يوما بعد آخر قدرة الحوار والتفاهم على احتواء الخلافات الكبيرة وتحجيمها إن لم يكن إنهاؤها في بعض الحالات. إن أكبر إنجازات السياسة الخارجية العمانية هي تلك التي لا ترى في الغالب ولكن يستشعر أثرها الآني وتكشف تفاصيلها بعد سنوات.. وتتمثل في الكثير من الحروب التي لم تقع في المنطقة، أو الحروب التي لم يمتد نطاقها ليحرق المنطقة بأكملها، أو لحظة اندفاع وغضب تم كبحه قبل أن يتحول إلى قدر على الجميع مواجهته.
