ما بعد الصعود
صعود سلطنة عُمان 19 مرتبة في مؤشر الحرية الاقتصادية يحمل دلالة تتجاوز الترتيب نفسه؛ فهو يعكس مسارا اقتصاديا أخذ يتشكل بثبات خلال السنوات الأخيرة، ويعبّر عن قدرة الدولة على تحويل الإصلاحات المالية والإدارية إلى نتائج قابلة للقياس، تُقرأ في الخارج كما تُقرأ في الداخل.
الوصول إلى المرتبة 39 عالميا بعد أن كانت عُمان في المرتبة 58 قبل عام واحد فقط، يكشف تحولا ملموسا في الطريقة التي يُنظر بها إلى الاقتصاد العُماني. والمؤشرات الدولية، على ما فيها من حدود منهجية معروفة، تظل ذات أهمية لأنها تقدم صورة مركبة عن البيئة الاقتصادية، وعن مدى كفاءة السياسات العامة، وعن قدرة الاقتصاد على التقدم في مجالات ترتبط بالثقة والاستقرار والانفتاح وجاذبية الاستثمار.
في عُمان، يرتبط هذا الصعود بتحسن بنيوي في عدد من الجوانب المهمة، وفي مقدمتها الصحة المالية. فهذا الجانب تحديدا يعكس نجاح سلطنة عمان في تحسين مؤشرات الدين العام، وتعزيز الانضباط المالي، وتحقيق فائض في الميزانية العامة. وهذه تطورات تكتسب أهمية مضاعفة في عالم يتسم بارتفاع مستويات الدين، واتساع العجوزات، وتزايد الضغوط على المالية العامة في كثير من الاقتصادات.
وتعكس هذه النتائج معنى أعمق يتمثل في أن الاقتصاد العُماني أصبح أكثر قدرة على إدارة توازناته، وأكثر جاهزية لطمأنة المستثمر، وأكثر قدرة على بناء سمعة اقتصادية تستند إلى الاستقرار والكفاءة. وهذه العناصر تزداد أهميتها في وقت تبحث فيه الأسواق عن البيئات الأقل مخاطرة والأكثر وضوحا في السياسات والتوجهات.
كما أن ما تحقق في مؤشرات مثل حرية التجارة، والإنفاق الحكومي، والعبء الضريبي، وحرية الاستثمار، يمنح صورة إيجابية عن اتساع قاعدة التحسن. وهذا مهم لأن الاقتصاد الحديث يتقدم عبر تراكم خطوات متناسقة تعزز مناخ الأعمال، وتدعم الثقة، وتفتح المجال أمام القطاع الخاص ليؤدي دورا أكبر في النمو والتشغيل والتنويع.
هذا التقدم يعكس نضجا متزايدا في النهج الاقتصادي العُماني، حيث بدأت الإصلاحات تتجاوز إطار المعالجة الظرفية، وتتجه نحو بناء قاعدة أكثر صلابة للاستقرار والثقة والنمو. وتحسن المؤشرات المرتبطة بالاستقرار المالي والانفتاح الاقتصادي يوسع من قدرة الدولة على التحرك بثقة في تنفيذ مستهدفات رؤية عُمان 2040، خصوصا فيما يتعلق بجذب الاستثمارات، وتمكين القطاع الخاص، ورفع كفاءة الاقتصاد الوطني.
ويمنح هذا الصعود الاقتصاد العُماني رصيدا معنويا ومؤسسيا في لحظة إقليمية ودولية تتسم بكثرة الشكوك والتقلبات. وتكمن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز في التعامل معه بوصفه خطوة متقدمة في مسار مستمر. فالمؤشرات الدولية تكتسب معناها الأكبر حين تكون دافعا لمواصلة البناء على ما تحقق، وتعميق مكامن القوة، وتوسيع آثار الإصلاح في مختلف القطاعات. وبهذا الفهم، تزداد أهمية ما أُنجز، لأن الاقتصادات التي تتقدم بثبات تنظر إلى نجاحاتها بوصفها أساسا لنجاحات أوسع.
بهذا المعنى، فإن صعود عُمان في مؤشر الحرية الاقتصادية يشير بوضوح إلى أن السياسات التي اتُّخذت بدأت تؤتي ثمارها، وأن الاقتصاد العُماني يمضي في اتجاه يمنحه مزيدا من الثقة والقدرة التنافسية. وما يحتاجه هذا المسار الآن هو مواصلة البناء بالروح نفسها؛ روح الإصلاح الهادئ، والعمل المؤسسي، والنظر إلى المؤشرات باعتبارها شاهدا على مسار اقتصادي يزداد رسوخا واتساعا.
