No Image
رأي عُمان

الرد الذي يبدد منطقه

12 مارس 2026
12 مارس 2026

لا تصنع قوة الرد وحدها مواقف الدول في لحظات الحرب. من المهم أن تنظر الدول إلى معنى الرد، وما إذا كان يحفظ الحجة السياسية والأخلاقية للدولة، أم يبددها في لحظة الغضب والضغط. وهذه واحدة من أبرز المعضلات التي تفرض نفسها اليوم عند النظر إلى استهدافات إيران لجيرانها في هذه الحرب. فمثل هذا السلوك، مهما بدا مفهوما في منطق توسيع الكلفة والضغط على المجتمع الدولي، ينطوي في جوهره على تناقض يصعب تجاوزه، وعلى خطأ استراتيجي أكبر مما قد يوحي به أثره المباشر.

إيران تقول- ومعها حقها كدولة- إن استهداف أراضيها مساس بسيادتها وانتهاك لقواعد يفترض أن تحكم العلاقات بين الدول. وهذه الحجة أساس الموقف كله؛ لأن الدولة التي تتعرض لضربات خارج حدود القانون لا تدافع فقط عن أمنها، إنما عن مبدأ عام يفترض أن يبقى صالحا للجميع. لكن هذه الحجة نفسها تضعف فور انتقال الرد إلى أراضي الجيران. عند هذه النقطة، لا يعود الحديث عن السيادة متماسكا كما كان. إذ لا يمكن لمبدأ أن يحتفظ بقيمته إذا جرى التعامل معه باعتباره حقا حين تتعرض له دولة، وخيارا قابلا للتجاوز حين تمارسه الدولة نفسها بحق غيرها.

المسألة ليست أخلاقية فقط، رغم وضوح بعدها الأخلاقي. هي قبل ذلك مسألة سياسية بامتياز. فالدولة التي تريد من العالم أن يتعامل بجدية مع شكواها من انتهاك سيادتها، تحتاج إلى أن تظهر قدرا عاليا من الاتساق في سلوكها. والاتساق جزء من عناصر القوة في لحظات الحرب، وحين يختل هذا الاتساق، تتسع المسافة بين الحجة وبين الفعل. وعندها تبدأ الخسارة من المكان الذي يفترض أن يوفر للدولة حماية أكبر وهو مكان الشرعية.

وإن كانت إيران ترى أن استهداف الجيران من شأنه أن يوسع دائرة الضغط، فحري بها أن تدرك أنه يوسع دائرة الخصوم أيضا. فالدول المجاورة ليست مجرد جغرافيا ملاصقة، هي، أيضا، المجال الحيوي الأول، والممر السياسي الأقرب، والبيئة التي يمكن أن تنتج تهدئة أو احتواء أو وساطة. وإذا تحولت هذه الدول إلى ساحات تهديد مباشر، فإنها ستعيد تعريف أمنها على نحو مختلف، وستقترب أكثر من أي ترتيبات جماعية تشعر أنها توفر لها الحماية. وهنا يصبح الفعل الذي أريد له أن يربك الخصوم سببا في تقوية البيئة الاستراتيجية المناوئة لإيران، لا في إضعافها.

قد يبدو هذا السلوك، في الحساب الإيراني، وسيلة لرفع كلفة الحرب على الجميع، ورسالة مفادها أن الحرب عليها لن تبقى داخل حدودها، وأن كلفتها لن تُدفع في الداخل الإيراني وحده. هذا منطق يمكن فهمه في سياق الردع والضغط. لكنه، مع ذلك، يظل منطقا قصير النفس؛ لأنه يفترض أن تعميم الخطر على الإقليم سيجبر العالم على التحرك. وربما يفعل. لكنه يفترض أيضا أن الجيران سيبقون خارج معادلة الخصومة، أو على الأقل داخل مساحة رمادية يمكن استعادتها لاحقا، وهذه فرضية شديدة الهشاشة.

والأهم من ذلك أن الحروب لا تخلّف أضرارا مادية فقط، بل تخلّف أيضا تصورات طويلة الأمد بين الدول يصعب محوها سريعا، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسيادة والأمن الوطني.

لهذا كله، يبدو تجنيب الجيران منطقيا من زاوية المبدأ، وضروريا من زاوية السياسة، وأرجح من زاوية الاستراتيجية. وعلى إيران، وفق ذلك، أن تحافظ على ما راكمته خلال السنوات الماضية من تهدئة مع جيرانها، وألا تبدد ما راكمته من تعاطف شعبي ومواقف سياسية في المنطقة، لأن توسيع دائرة الاستهداف لا يضعف الحرب عليها قانونيا بقدر ما يضعف حجتها هي.