الحرب على إيران والقانون الدولي
15 مارس 2026
15 مارس 2026
في مثل هذه اللحظات لا تكون الحرب وحدها هي الحدث. الحدث أيضا هو اللغة التي يختارها العالم لوصفها، وما إذا كان ما يُدان في مكان يصبح قابلا للتبرير في مكان آخر. وما إذا كانت القواعد التي قيل طويلا إنها تحمي العالم من الفوضى لا تزال قواعد فعلا، أم أنها لم تعد أكثر من خطاب سياسي يُستخدم حين يخدم المصالح ويُسحب حين يربكها. هذا هو السؤال الذي تفتحه الحرب على إيران.
حين غزت روسيا أوكرانيا، كان الموقف الأوروبي والغربي واضحا. قيل إن ما جرى عدوان. وقيل إنه انتهاك للقانون الدولي. لم يكن أحد يظن أن هذه اللغة ستوقف الحرب، لكنها كانت جزءا من الدفاع عن فكرة النظام نفسه؛ لأن العالم لا يفقد توازنه بالحروب وحدها، بل أيضا حين يفقد القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها.
لا يظهر هذا الوضوح اليوم في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. اللغة مرتبكة، والإدانات خافتة، إن وُجدت أصلا. وبعض العواصم الغربية تتصرف كما لو أن القانون يُستدعى حين يكون الفاعل خصما، ثم يُدفع إلى الهامش حين يكون الفاعل حليفا. وهذه ليست مجرد ازدواجية أخلاقية. إنها مسألة أشد خطرا، لأنها تضرب الأساس الذي يقوم عليه أي حديث عن نظام دولي، أو شرعية دولية، أو قواعد يُفترض أن تسري على الجميع.
ليس المقصود هنا تبرئة إيران، وهي التي وسعت الحرب إلى جوارها الخليجي واعتدت على سيادة دول في المنطقة. لكن هذا لا يغير شيئا من أصل المسألة. فإذا وُصف سلوك إيران بأنه اعتداء، فإن ما قامت به الولايات المتحدة وإسرائيل هو اعتداء أيضا. القانون لا يفقد معناه لأن الدولة المستهدفة مختلف عليها، والسيادة لا تصبح مبدأ مرنا لأن الضحية لا تحظى برضا الغرب.
وهذه الانتقائية لا تُضعف صورة الغرب وحسب، بل تُضعف فكرة القانون نفسها في نظر العالم. وتحديدا في نظر الشعوب والدول التي قيل لها طوال عقود إن النظام القائم على القواعد هو البديل عن الفوضى، وإن الشرعية الدولية هي السقف الذي يمنع العالم من التحول إلى غابة مفتوحة.
دفعت المنطقة العربية ثمنا باهظا لمثل هذه الازدواجية. دفعت ثمنها من أمنها واستقرارها، ومن ثقة شعوبها في اللغة التي يتحدث بها العالم عن العدالة والشرعية والحقوق. وما يجري اليوم يعيد إنتاج الدرس نفسه بصورة أشد قسوة. فحين يصبح القانون خاضعا للتحالفات، لا يعود قانونا بالمعنى الذي يحمي أحدا، بل يتحول إلى أداة في الصراع.
صحيح أن القانون الدولي ليس كاملا. وصحيح أنه بدا في أحيان كثيرة عاجزا أمام حروب كبرى ومآس إنسانية هائلة. لكن ضعفه لا يلغي ضرورته، بل يزيدها. لأن العالم لا يقترب من الأمن حين يُترك لموازين قوة لا يقيدها شيء، بل يقترب من الفوضى. وكل مرة يجري فيها التساهل مع انتهاك واضح، يتراجع الحد الأدنى الذي يحمي الجميع.
وهنا تحديدا يجب أن تُقال المسألة بوضوح: إذا كان العالم جادا في حديثه عن نظام قائم على القواعد، فلا يجوز أن تبقى القواعد صلبة مع الخصوم ومرنة مع الحلفاء. وإذا كان حريصا فعلا على منع المزيد من الحروب، فعليه أن يدرك أن التواطؤ مع تآكل القانون ليس حلا عمليا، بل مساهمة مباشرة في صناعة الكارثة التالية.
